أربعة أعوام على اتفاقية الدوحة

بقلم الكاتب: عبد الحي قانت

 

في عام 2001، أعلن وزير الدفاع الأمريكي (دونالد رامسفيلد) أن الأهداف الرئيسية من غزوهم لأفغانستان؛ إزالة طالبان من السلطة وإقامة حكومة ديموقراطية مكانها، ودحر تنظيم القاعدة، وبدء عملية جديدة لبناء الدولة. وتزامن هذا الإعلان مع فرض الولايات المتحدة الأمريكية، على لسان وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس، حظرًا على إجراء أي مفاوضات مع حركة طالبان؛ مما يعني أنه ليس أمامهم خيار آخر سوى القتل أو السجن.

وكان أمير المؤمنين الراحل (الملا محمد عمر مـجاهد) -رحمه الله- لا يزال في قندهار آنذاك عندما عَرَض السلام، إلا أن المحتلين رفضوا العرض. ثم قدّم الملا عمر عروضًا للمفاوضات عدة مرات، من خلال إدارة حامد كرزاي، إلا أن الحكومة الأمريكية رفضت كل محاولات السلام بشكل قاطع. وقتها أدرك أمير المؤمنين الملا عمر أن أمريكا لن تقبل بالسلام ولن يردعها إلا السلاح والقوة.

كما أن القرار الأمريكي بحظر محادثات السلام أثبت أن الإدارة الحاكمة في كابل في ذلك الحين لا تستطيع أن تفعل أي شيء بإرادتها، وأن الولايات المتحدة تقود قضية أفغانستان بشكل مباشر. ولا مكان في المعادلات السياسية للضعفاء؛ إذ الحساب فيها لأهل القوة والشوكة.

غادر بوش وجاء أوباما واشتدت الحرب، ورفع أوباما عدد القوات الأمريكية في أفغانستان من ٤٠ ألف إلى ١٤٠ ألفا، لكن حركة طالبان واصلت مقاومة أسطورية.

وبعد مرور عام، أدرك أوباما أن زيادة عدد القوات لم تنفع، وكانت النفقات السنوية لجندي واحد بلغت نحو مليون دولار أمريكي؛ وفي ٢٠١٤م اضطر إلى تقليص الجيش.

وقد تحدّت مقاومة طالبان القرار الأمريكي الرامي إلى حظر مفاوضات مع الحركة؛ مما أدى إلى قبول الأمريكيين فتح مكتب قطر لإنشاء قنوات اتصال رسمية مع طالبان بهدف إجراء المحادثات من ناحية، ومن ناحية أخرى أبرم الجانب الأمريكي اتفاقية العار الأمنية مع عملائهم في أفغانستان. حاول الأمريكيّيون بذلك أن يجعلوا حركة طالبان جزءا من حكومة لديها بالفعل اتفاقية أمنية مع أمريكا، وظنّوا أنهم إذا نجحوا في هذه المكيدة، فسوف يغادرون أفغانستان مع حفاظهم على وجودهم العسكري فيها.

وكانت الإمـارة الإسلامية قد أبلغت الأمريكيين بوضوح منذ اللقاء الأول أنهم لن يقبلوا ولو بحذاء جندي أمريكي واحد على أراضي أفغانستان، وأكدوا أنهم لن يأتوا للتفاوض بأجندة أخرى وإطار غير هذا. اتبع الأمريكيّون استراتيجية مشتركة للضغط والحوار، وأعلن دونالد ترامب استراتيجية جنوب آسيا، وعلّق المفاوضات لأشهر، وخاطب جنوده قائلا: استخدموا أي شيء غير الأسلحة النووية! أريد نتائج خلال عام!

ثم أظهرت الإمـارة مقاومة مثالية مرة أخرى. وفي 2018، أيقن الأمريكيّون بأنه لا جدوى لاستخدام القوة مع هؤلاء الرجال، وحاول الممثل الأمريكي زلماي خليلزاده لمدة عام ونصف أن يتوصل إلى اتفاق مع طالبان بشأن القواعد الأمريكية، لكن حركة طالبان لم تقبل أي عرض في هذا الإطار.

وفي نهاية عام 2019، أخبر ترامب وزير خارجيته ذات مرة ألا يسمح لزلماي خليلزاده بالعودة إلى واشنطن قبل إبرام اتفاق، وأرغمت ساحة المعركة الأمريكيين على توقيع اتفاق سياسي.

لقد كانت -بفضل الله- قوة الصبر والمثابرة والثبات والنضال الحقيقي، هي التي طردت الأمريكيين وحلفائهم في مثل هذا الوضع المخزي الذي لم يكن في الحسبان.

وها قد حان الوقت للحفاظ على الاستقلال الحاصل، وحسم المعركة في مجال الحكم بعد الانتصار في المرحلة العسكرية والسياسية، ولا شك أنها مرحلة كسب قلوب ٤٠ مليون مواطن، كما أن هذه المرحلة تتطلب شجاعة وجرأة وعملا ومعرفة وفهمًا سياسيًا عميقا جدًا.