أفغانستان..بين السلام الحقيقي والسلام الذي تنشده أمريكا

لعل من أكثر الكلمات ترداداً في كلمات السياسين الأفغان والأجانب هذه الأيام هي كلمة “السلام”، فالكل يتحدث عن السلام، ويكأنهم يريدون أن يستفيدوا من هذه الكلمة الجميلة ويوظّفوها بالسوء، كما جرى هذا الأمر من قبل المحتلين وأذنابهم طيلة سنوات الاحتلال، وكأنهم يستغلون هذه الكلمة الجميلة لمساعدة المجرمين الدوليين في الوصول إلى مطامعهم وأهدافهم الخبيثة؛ لأن الذين يتشدقون بالسلام يخربون سلام وطنهم بأيديهم أكثر من الآخرين.

فالذين يكثرون الحديث عن السلام، هم الذين يكرهون ذلك في الممارسة والعمل. كما أن الذين يُرزَقون من مائدة السلام وينفقون بهذا الاسم الملايين من الدولارات لن يراعوا مصالح البلاد، وسيكونون حجر عثرة دون آمال شعبنا المنكوب الذي يحلم بالسلام. وهكذا فإن الهوّة بين الوعود والأفعال كبيرة جداً!

فأمريكا تملي على وسائل الإعلام ووكالات الأنباء نشر بحثها عن سبل السلام، وتضخيم ذلك، ليشغلوا الرأي العام ويخدعوه ببريق السلام الزائف، ولكن في الوقت نفسه، ترسل أمريكا وزير دفاعها إلى أفغانستان، ليطّلع ويدقق النظر في البنية التحتية الأفغانية اللازمة لاستمرار الاحتلال، ويتفحص ويقيّم مدى قدرات الأمريكيين الجوية والدفاعية، ويجمع المعلومات اللازمة حول قدرات المجاهدين في مختلف الولايات الأفغانية، من أجل التصدي لنشاطات المجاهدين، ثم ينقل هذه المعلومات إلى العسكريين في بنتاغون!. فياللعجب من سياسات أمريكا العجيبة!

فهذه هي السياسة المزدوجة، حيث يُرغون ويُزبِدون عبر وسائل الإعلام بأن السلام قريب في أفغانستان من جهة، ومن جهة أخرى يبحثون باستمرار عن التغيير الاستراتيجي، كما كانوا يزعمون قبل أعوام بأن الاحتلال سيقلص وسينهي مهامه عام 2014م، والآن باتوا يقولون إن عام 2016م هو آخر عام للاحتلال في أفغانستان. يبدو أن الأمريكيين يعتقدون أنه من خلال الاعتماد على هذا النوع من السياسة المتناقضة سيتمكنون من استغفال الشعب الأفغاني الأبي أو أن يضعفوا معنويات المجاهدين، أو أن يثيروا الرأي العام الأفغاني بحيث يسأم من المجاهدين، أو أن يرفعوا معنويات قواتهم المنهارة، ولكن ولحسن الحظ لم تصل أمريكا لأي هدف من هذه الأهداف، بل ستبوء بالفشل وستهزم إن شاء الله.

وبما أن أمريكا تدندن حول السلام، فقد حذت الإدارة العميلة في هذه الأيام حذوها، وجعل العملاء محور كلامهم في وسائل الإعلام حيال السلام. ونصبوا من أنفسهم نواباً للسلام في أفغانستان، ولكن هل من سائل لهؤلاء: إذا كنتم تريدون السلام حقاً فلماذا لا تذعنون ولا تستمعون إلى مطالبات الشعب الأبي الحقة؟

لماذا لا يعتني هؤلاء، الذين يُبرزون كرواد للسلام، بالمطلب الرئيسي لجميع أفراد الشعب فرداً فرداً ألا وهو مطلب استقلال البلاد بلا قيد أو شرط، واسترجاع المجد التليد، وإقامة الحكومة الإسلامية على ثرى البلد؟

فهل من الممكن أصلاً أن يُبسط الأمن ويأتي السلام بالإكراه والإجبار وتحت أمر الأعداء الألداء؟

هل من الممكن أن يأتي السلام بالتحدي أم هل يأتي السلام في بيئة لا تُقيم وزناً للقيم الدينية والوطنية للشعب الأفغاني؟

هل يطمع الأفغان بالسلام على ثرى الوطن تحت قصف الطائرات الحربية العملاقة والبارجات الفتاكة للأمريكان والحلف الأطلسي؟

أليس من المستحيل أن يأتي السلام في أفغانستان والعملاء يصرّون صباح مساء على استمرار بقاء الأجانب واستمرار احتلالهم للبلاد، ويبيعون الشعب والوطن بالتوقيع على الاتفاقيات القذرة؟

أتعجب ممن يتكلم عن السلام في حين استمرار الاحتلال، والاستهزاء بغيرة الأفغان وشهامتهم الفطرية التي تأنف من الاحتلال، فهل سيشفي الكلام المعسول حول السلام غليله؟

من خلال سياسات أمريكا المزدوجة، يُعلم أنها لا تريد السلام في الشرق الأوسط، بل هي حجر عثرة وسد منيعٌ أمام السلام في المنطقة، وكما يبدو من تناقض الكلام والعمل الأمريكي فإن أمريكا تريد سلاماً في أفغانستان لا يهدد مصالحها، أو على الأقل يُخفي هزيمتها وهزيمة النيتو، أو بعبارة أخرى هي تسعى وراء استعباد الأفغان إلى الأبد، وإلا فهل خفي على الأمريكان ما هو طريق السلام بين الأفغان، أم هل تجهل مطالب الأفغان لإحلال السلام فيما بينهم؟

هل يُعقل أن تعرّف أمريكا نفسها على أنها رسول السلام وهي التي نقضت دستور الأمم المتحدة عام 2001، وتسببت في إحداث الفوضى والبلبلة في أفغانستان طيلة 14 سنة، فقتلت الكثير من المدنيين الأفغان بكل همجية ووحشية، ودمّرت البيوت على ساكنيها وهم نيام. وهل قاتل الأفغان الأباة وحماة الديار طيلة سنوات الاحتلال إلا لأجل إحلال السلام والحرية واستقلال البلد وإنقاذه من براثن الاحتلال وأنياب الصليب؟

وهل طلب المجاهدون شيئاً أكثر من حقوقهم العادلة المعروفة لدى جميع أمم الأرض؟

كيف لايخجل العدوّ المحتل من ادعاء أنه رسول السلام، وهو يطمع في دوام احتلاله للبلد، ويسعّر أتون الحرب والقتل والدمار أكثر من أي وقت مضى؟

فليعرف الأمريكان وشركاؤهم المجرمون الذين يتحركون بإشارة منها، بأن الشعب الأفغاني الأبي لن يشتري سلام الذل الذي يرزح تحت نير الاحتلال بالسلام الحر الحقيقي، ولن تذعن طبيعتهم الأبية لهذه المواصفات العبيدية، فإنهم لا ينظرون إلى جرائم الأمريكان وهمجيتهم وبربريتهم بعين السلام. ولن يشتري هذا الشعب الباسل الفساد وبيع الوطن، والغدر والخيانة بآمال الشهداء، والكلام المتذبذب والتسوّل أمام الغربيين. ولن يرغب بالسلام الذي يكون تحت مظلة العبودية القبيحة القذرة. ولو كان هناك من يريد السلام الحقيقي، فليصغِ إلى مطالب الشعب الأفغاني الأساسية، وليعرف ألمه الحقيقي، ولا يتوقع من هذا الشعب الأبي الباسل إلا ما هو في شأن هذا الشعب الكبير وتاريخه البطولي، والذي جعل من مقولة: (ليس المهم أن تعيش، المهم أن تعيش حرّاً) حكمته المقدسة، حكمة اعتنقها بعد أن ترك الحياة الهادئة الرغيدة للجبناء والأفندية، الذين آثروا السلامة، وفضلوا الحياة تحت الانتداب المذل على حياة الحرية، فباعوا وطنهم للغزاة من أجل مصالحهم الضيقة.