أكذوبة حقوق الإنسان في عصر الإعلام

أبو محمد

 

كذَبَ من قال إنّ زمن العبودية قد ذهب بلا عودة، بل الحق كل الحق أنّنا في زمنٍ كلُّ من فيه عبيدٌ لمن يمتلك أخطر وسيلة -لأجل الوصول إلى هدفه- ومن المؤكدّ هي أجهزة الإعلام بكلّ أدواته القديمة والجديدة؛ تلك الإمبراطورية المتنفذة والغالبة والقاهرة للعقول، التي حوّلت البشرية إلى سائمة ضالة لا تعرف صراطًا ولا تنكر مهلكة.

وهل العبودية إلا أن تتصرّف بالإنسان على وفق مرادك في الوقت الذي تريد وعلى الهيئة التي تختارها أنت، وأن تستخدمه لأغراضك ومصالحك الخاصّة رغمًا عنه غير عابئ برفضه وتعبه ومرضه بل وبموته وهلاكه!

إنّها عبوديةٌ عصريةٌ مُقنّعةٌ بقشرة رقيقة من الحرية الكاذبة، ما إن تحكّها بظفرك حتى يظهر لك الحقّ المستور، إنّهم يتناولون من دمائنا وأعراضنا وثرواتنا ومُدّخراتنا بالقدر الذي يحتاجونه لملذاتهم ومنافعهم في الوقت الذي يحددونه. ومع ذلك نحن البسطاء السذّج مقتنعون بإحدى خدعهم الإعلامية بأننا نعيش في القرن الواحد والعشرين، حيث تساوت فيه البشرية وتحرّرت من كل أشكال العبودية والرِّقِّ، فلم يعد هناك فرق بين دِينٍ ودِين، ولونٍ ولون، ودمٍ ودم، ولسانٍ ولسان، ولا بين شرق وغرب، ولا بين فقيرٍ وغني، ولو جاز لنا أن نصف شيئًا بأنّه أمُّ الكذب قياسًا على أمِّ الخبائث لكانت كذبةُ (انتهاء زمن العبودية).

ومع الأسف البالغ تبرّع المسلمون بعقولهم جملةً وتفصيلًا إلى وسائلَ إعلامية مُبتكرة، تُدار من قوى شريرة تكره الأديان عمومًا والدّين الإسلاميَّ على وجه التخصيص، حتى غدوا طَوعَ بنانِ المتحكم المسيطر اللئيم الجشع الذي يتحكم بزمام هذه الوسائل في الشرّ والظلم والخراب، ويتربّص بهم الدوائر، بعد أنْ كان المسلمون أساتذة البشرية في الخير والعدل والسلام.

ومما يشهد لقولنا؛ ما يراه العالم اليوم في أحداث غزة من طريقة الكيل بأكثر من مكيال في بقعة جغرافية واحدة، من قبل الإعلام الموجّه. انظروا إلى الحصار الخانق والقتل والدمار والاعتقال والتجويع لأهلنا في غزة؛ إذ تتعامى كل عدسات الإعلام العالمية إلا عن النّزر اليسير من ذلك، وحسب رؤيتها وتفسيرها للحدث. أمّا إن كان جزء ضئيل من هذا الضرر قد مسّ بني صهيون على سبيل المثال، فهنا تتطاول الرؤوس وتحدّق العيون، ويتوافد كل مراسلي الإعلام العالمي ويخرجون من جحورهم زرافاتٍ ووحدانًا، حتى ليخيل إليك أنّ القيامة قد قامت والأرض قد مادت وأنّ مصابًا لم تصب به الإنسانية من قبل قد وقع.

أين إعلامكم ياهؤلاء وأكثر من 30 ألفًا من البشر قُتِلوا على يد الاحتلال الصهيوني حتى لحظة كتابة هذه السطور، والرزايا والمصائب أصابت أهل غزة بيتًا بيتًا؟ ما ألطفكم يا حمائم السلام! وما أرحمكم! أبعدَ هذه المجازر التي اقترفتموها بحق أهل غزة، لا سيما النساء، نعم صحيح ما تقرأون النّساء! اللاتي تتشدّقون بحقوقهنّ وكرامتهنّ؛ يطيب لكم أنْ تتشدقوا في مجالسكم عن حقوق نساء الأفغان!

ويوضح المتحدث باسم الحكومة الأفغانية السيد ذبيح الله مـجاهد ازدواجية المعايير لدى أولئك الذين يرفعون شعار حقوق الإنسان، ويستغلّون هذا الشعار لتحقيق مصالحهم، فيقول: (الأطفال في غزة يتضوّرون جوعًا، لكن دعاة حقوق الإنسان يذرفون دموع التماسيح على حقوق البشر في أفغانستان، ولا يبدون أي قلقٍ بشأن الوضع في غزة، ولا يسعون لوقف الظلم والقمْع الحاصل هناك، ومن هنا تكمن معرفة من يدعي حقوق الإنسان زورًا، ويستغلّ هذا الاسم).

كما قال القيادي السّابق في الإمارة الإسلامية الملا عبد السلام ضعيف أيضًا: (أثبتت الولايات المتحدة الأمريكية، باستخدام حق النقض “فيتو” ضد قرار في مجلس الأمن الذي حَظِي بتأييد الأغلبية لوقف إطلاق النار في غـزة، أن ادّعاءاتها بشأن حقوق الإنسان والمرأة والطفل مجرد أداة لتحقيق أغراضها السياسية على الصعيد الدولي، وأصبح الوضع الإنساني في غـزة لا يُطاق).