إمارة أفغانستان الإسلامية.. فرصة ذهبية للدول المجاورة

صادق رحمتي

 

لا أحد ينكر أن الدول المجاورة يكمّلُ بعضُها بعضًا، وبينها -في الغالب- مشتركات دينية وثقافية ولغوية، ولها مصالح ومنافع مشتركة، شئنا أم أبينا، وبينها حق الجوار وحقوق لا تحصى ولا تعد. وربما أدّت الغفلة عن أهمية دول الجوار إلى أمور لا تحمد عقباها وتضر بمصالح الجميع، وربما دفعت بالجوار إلى دار البوار، وأحالت الفرص إلى تحديات والخير إلى شر، وذهبت بالآمال أدراج الرياح، وقتلت الكفاءات والمواهب وأودت بها إلى الهاوية، وربما حدث الهرج والمرج واختلط الحابل بالنابل.

وبالمقابل فإن الانتباه واليقظة لأهمية دور دول الجوار؛ يشيع الخير وينشر النفع، ويعمّر ويبني البلدان.

 

وإن انتصار الإمارة الإسلامية في جهادها ضد الاحتلال الأمريكي وحلفائه؛ كما یصبّ في مصلحة أفغانستان وشعبها، فهو كذلك یصبّ في مصلحة الدول المجاورة والمنطقة، وكما استفادت أفغانستان من هذا الانتصار التاريخي، استفادت منه أيضًا حكومات الجوار والمنطقة. وكما هو معلوم أنّ أفغانستان كانت، قبل ثلاثة أعوام، بلد حرب ومخدرات وفساد وفوضى وأضرار ومخاطر عابرة للحدود أضرّت بالبلاد وبدول الجوار وربما بدول أخرى، فأدّى وجود الاحتلال إلى تكبيد أفغانستان وهذه الدول تكاليف باهظة في الأنفس والأموال، ووصل بالأوضاع الأمنية والإنسانية إلى الحضيض.

أما اليوم، بعد تسلم الإمارة الإسلامية زمام الحكم، تبدّلت أحوال أفغانستان كليًا عما کانت علیه، وتحولت الأوضاع -في كافة المجالات- إلى أحسن من أي وقت مضى، ونَجَت أفغانستان اليوم -بفضل الله- من التجارب السابقة والمريرة في العقود الأخيرة، وعادت روح الاستقلال والحرية إلى البلاد. وأصبحت أمامنا اليوم أفغانستان جديدة تتطلع إلى آفاق رحبة على كافة الأصعدة، وتسير نحو الازدهار والتعاظم، وأخذت تنسى المرارات والمصاعب الماضية، واختلفت اختلافً إيجابيًا عن أفغانستان السالفة.

والأعجب أن الإمارة الإسلامية حقّقت كل هذه الإنجازات والمكتسبات دون مساعدة أو تمويل من أحد، بل كانت -منذ تولّيها زمام الحكم- تحت ضغوط سياسية وعسكرية من قبل جميع الدول، بما فيها دول الجوار، وواجهت الهجمات والاتهامات الإعلامية خلال السنوات الماضية، التي عمدت إلى تشويه صورتها، زورًا وبهتانًا؛ فقط لأنها قاومت الاحتلال ودافعت عن عقيدتها وأرضها وشعبها.

 

وفيما يلي نلقي ضوءًا على شيء من الإنجازات التي حققتها الإمارة الإسلامية وعادت بالنفع، بشكل مباشر أو غير مباشر، على الدول المجاورة:

أولا: تحرر أفغانستان من الاحتلال الأمريكي، وتخلصها من تبعات الوجود الأجنبي المسلح وتدخله في شؤون البلاد، وطردها المحتلين وعملائهم بشكل مخزي، بتضحيات جبارة امتدت لعشرين سنة؛ جرّ نفعًا للدول المجاورة؛ إذ أنقذها من دنس الاحتلال كما أنقذ أفغانستان منه، فلا يخفى أن الاحتلال من أكبر عوامل انتشار الفوضى والفساد في المجتمعات، وشرّه متعديًا لا محالة، وضرره يطال الجميع. ونجاح الإمارة الإسلامية في تحرير أفغانستان؛ ساعد الدول، لاسيما الدول المجاورة، في التخلص من شرّ الاحتلال وشؤمه، وهو أمر يستحق الثناء والإشادة على كل حال. واليوم، حقيق بالدول المجاورة أن تقوم بدورها الإيجابي في أداء حق الجوار.

 

ثانيا: بسط الأمن بشكل لم يسبق له مثيل في كافة أرجاء البلاد بعد عقود من الفوضى، وإرساء السلام والأمن الشامل الذَين فقدتهما أفغانستان في العقود الأربعة الأخيرة فذاق الشعب الأفغاني -جراء غيابهما- ويلات الحرب والنزاعات.

وكانت الدول المجاورة تشتكي من أن فقدان الأمن في أفغانستان تسبب في زعزعة أمن بلادها وخلق المشاكل الاجتماعية وحتى السياسة. أما اليوم وبعد مضي قرابة الثلاثة أعوام من الانتصار؛ أصبحت أفغانستان آمنة مطمئنة بفضل الله، بينما لا تزال مشكلات بعض الدول المجاورة قائمة؛ وهذا يعني أنهم في هذه المدة ارتكبوا أخطاء استراتيجية في هذا الصدد، ويجنون اليوم ما زرعوا ويقطفون ما غرسوا.

 

ثالثا: القضاء على زراعة المخدرات التي عبرت أضرارها الحدود، والتي فشلت الدول الكبرى -رغم توفر المعدات والإمكانات لديها- في كبحها والقضاء عليها. ومع وصول الإمارة الإسلامية إلى الحكم في البلاد، حظرت زرع وبيع واستهلاك كافة أنواع المخدرات في البلاد لاحتواء أزمة المخدرات التي تعاني منها البلاد. وأصدرت مرسوما بحظره في العام ٢٠٢٢م، وحققت الإمارة الإسلامية إنجازات كبيرة جدًا في هذا الشأن، رغم أنها ورثت اقتصادًا قائمًا على زراعة وتجارة المخدرات، فشدّدت الأجهزة الأمنية إجراءاتها ضد مهربي وتجار المخدرات في البلاد، كما دمرت عشرات آلاف الأفدنة من الأراضي المزروعة بالمخدرات في عموم أفغانستان وحاربت هذه الظاهرة، وكافحت كل ما يتعلق بالمخدرات تجارة وزراعة، وقامت بتدمير مصانع إنتاج المخدرات وتمكنت حتى الآن من تقليل زراعتها بنسبة أكثر من ٨٠% مقارنة بالماضي، مما قلّص بشكل ملموس وكبير من زراعة المخدِّرات وترويجها وتصديرها.

كما عالجت الإمارة الإسلامية عشرات الآلاف من المدمنين.

كلنا نعلم أن أضرار المخدرات وما يتعلق بها لم يقف عند أفغانستان، بل كانت أضرارها عابرة للحدود ضاربة لأمن المجتمعات، والأسوأ أن الأمر تفاقم زمن الاحتلال رغم جميع الادعاءات والأكاذيب عن كبحها والقضاء عليها، بل إن وجود المحتلين أنفسهم أصبح سببًا رئيسيًا لانتعاش زراعة وتجارة المخدرات.

جهود إمارة أفغانستان الإسلامية في هذا المجال تستحق الثناء والإشادة، وتعد فضلا كبيرا في حق الجيران والآخرين.

 

رابعا: إيقاف الحرب والاقتتال الداخلي بين الأطراف الأفغانية، التي أزهقت آلاف الأرواح، ودمرت البنى التحتية بالكامل. وإقامة حكومة مركزية تسيطر على كامل الأراضي الأفغانية، إلی جانب تشكيل الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية. النعمة المفقودة في العقود الأربعة الماضية والتي فقدتها أفغانستان منذ الغزو السوفييتي لها؛ وبالطبع تأثرت بذلك الدول المجاورة بشكل مباشر أو غير مباشر.

 

خامسا: التعاون التام والتفاوض مع سلطات الدول المجاورة في قضية المهاجرين الأفغان، وإعطاء صبغة قانونية للهجرة وترك الوطن قدر الإمكان، وحل مشاکل الإقامة بإصدار جوازات السفر وبالتالي منع الترحيل القسري للمقيمين الأفغان في الدول الأخرى، كما تم التركيز على متابعة قضايا السجناء الأفغان في الخارج وإعادتهم إلی أفغانستان. وللأسف فإن من الأمور التي اقترنت باسم أفغانستان منذ بداية الاحتلال السوفييتي حتى الاحتلال الأمريكي هي قضية التشريد والتهجير، ولم تكن لأفغانستان حكومة مستقلة مسؤولة عن هذه القضية والقضايا الأخرى، وكل من جاء كان همه جيبه ونفسه وعائلته. والحكومة السابقة، إضافة إلى هذا، كانت مبتلاة بمرض العمالة للمحتل، والذي كان أخطر من أي شي آخر.

ويعاني المهاجرون الأفغان في البلدان الأخرى من التضييق والإرهاق، ورغم عدم الاعتراف دولیًا، يعد تقديم الخدمات القنصلية للمواطنين الأفغان إنجازًا مهماً لإمارة أفغانستان الإسلامية تنتفع به الدول المجاورة بشكل مباشر، ولا تزال الجهود في هذا الصدد مستمرة حتى يطوى بساط هذه المشكلة بشكل كامل في مدة غير بعيدة بإذن الله.

 

سادسا: المبادرة إلى التعاون الشفاف المبني على الصداقة والأمانة مع دول الجوار والمنطقة. واللقاءات والزيارات المتعددة التي تجريها وزارة الخارجية مع ممثلي الدول المختلفة خير شاهد على ذلك. والجهاز الدبلوماسي لإمارة أفغانستان الإسلامية أصبح عنوانا رئيسيًا لأنباء الوكالات الرسمية وغير الرسمية في العالم، والذي يعترف به مسؤولوا هذه الدول ويشيدوا بجهوده، ومبادرة كابول للتعاون الإقليمي خير شاهد على ذلك.

 

سابعا: القضاء على المشاكل والهرج والمرج الذي كان على الحدود ويؤذي دول الجوار، رغم أن الحدود محمية بجدران خرسانية وأسلاك شائكة. وامتداد الحدود إلى آلاف الكيلومترات، قد يُصعّب من ضبطها، لا سيما على حكومة جديدة محاصرة بأنواع المقاطعات الظالمة، إلا أن الإمارة الإسلامية نجحت في ذلك بفضل الله.

 

ثامنا: أداء الديون إلى الدول الدائنة. تمكّنت شركة الكهرباء الحكومية في إمارة أفغانستان الإسلامية من أداء ديونها للدول الدائنة المجاورة

)طاجيكستان، أوزبكستان، تركمانستان، إيران) والبالغة 627 مليون دولار، والتي كانت قد اقترضتها حكومة الاحتلال في وقت سابق. كما سدّدت الشركة، مُقدّماً، فواتير الطاقة المستوردة من الدول المجاورة، وهي المرة الأولى التي تؤدي فيها أفغانستان ما عليها مقدّماً. وهذه الخطوة الناجحة في أداء حق الجوار أظهرت أن الإمارة الإسلامية -رغم جميع المشاكل الاقتصادية- على قدر المسؤولية الملقاة على عاتقها تجاه الدول الأخرى، لاسيما المجاورة، في إطار حق الجوار. ولذلك فإن عليهم أيضا أن يدركوا أهمية الأمر، ويقوموا بدورهم لأداء الحقوق المتعلقة بالقرب والجوار.

 

تاسعا: مكافحة الإرهاب والتصدي للتنظيمات الإجرامية كتنظيم داعش الإرهابي الذي أرهق دول المنطقة ودول العالم، وقطع دابرهم من أفغانستان، وحماية الأراضي الأفغانية من أن تكون منطلقًا للإضرار بمصالح الدول الأخرى. بينما فشلت العديد من الدول ذات الإمكانات الهائلة في الوقوف ضده.

وكان الأعداء ينظرون إلى “داعش” كبديل لهم؛ ليقف أمام الإمارة الإسلامية ويسعى في أرض الأفغان فسادًا، والأسوأ أن بعض الدول المجاورة أيضًا كانوا معهم في نفس الفكرة ويتوقعون ما يتوقعون، ولكن جاء الأمر -بحمد الله- على خلاف ما كانوا يتوقع جميعهم.

 

إن من أبرز الخصائص التي تضمن نجاح أي حكومة في مسارها ومصيرها، هو تعاملها مع الدول المجاورة على أساس الاحترام والتعاطف والتكاتف، واحترام حق الجوار وتذليل السبل وخلق بيئة آمنة مطمئنة للشعوب المجاورة، وإرساء السلام وفتح باب الحوار والثقة. الأمر الذي أحرزت فيه الإمارة الإسلامية قصبات السبق. ورغم جميع المعوقات، تمكنت حكومة الإمارة من أداء حق الجوار بشكل كامل، حيث أنها رغم قلة ذات اليد والتضييقات والضغوط والمشكلات العديدة التي تعانيها من أول يوم سيطرت فيه على البلاد، قامت بجهود كبيرة على المستويين الإقليمي والعالمي لتحسين العلاقات الثنائية والمتعددة مع الدول المجاورة والمنطقة، ولعبت دورا محوريا في أمن المنطقة والعالم.

ونظرًا إلى عدم نجاح الدول المجاورة في القضاء على المشاكل والتحديات آنفة الذكر، فإن القضاء عليها -بالنسبة لأفغانستان- كان يعد أمرا شبه مستحيل، ولكن الإمارة الإسلامية تغلبت على كل واحد من هذه الأمور، وأثبتت للجميع بأنها الحكومة الأمينة على بلد كأفغانستان، وأنها النموذج الناجح الملائم لأفغانستان وأجوائها السياسية ونسيجها الإجتماعي الحافل، وأنها فرصة، لا تهديد، خاصة للدول المجاورة، وأن وجودها سبب خير وأمن واستقرار.

 

الأوضاع في أفغانستان ليست قاتمة سوداء كما تصورها شريحة كبيرة من وسائل الإعلام العالمي، فبعد مرور ثلاث سنوات تقريبًا على تولّي الإمارة الإسلامية مقاليد الحكم في أفغانستان؛ ثمة إنجازات ومكتسبات مهمة لها. وإن كان هناك مشاكل وتحديات يواجهها الشعب اليوم؛ فإن السبب فيها هو عدم الاعتراف بالإمارة الإسلامية وتجميد الأموال والحصار والمقاطعة الظالمة.

إن ما ذكر من المكتسبات والإنجازات، بالإضافة إلى أمور أخرى، ليُعدّ فرصة كبيرة وتاريخية أمام الدول المجاورة لأفغانستان للخروج من الماضي المليء بالاتهامات والمخاوف والقيام بتحسين التعامل معها؛ وذلك باستغلال الفرص المتاحة حاليًا للتركيز على المشتركات الإسلامية والإقليمية، للنهوض نحو السلام والاستقرار الدائمين.

الإمارة الإسلامية تعتبر أمن المنطقة أمنها، وهو أمر مهم لديها. ولو أنّ الدول المجاورة قامت بالتعاون والتنسيق مع الإمارة الإسلامية في مختلف الصعد، وفي إطار احترام السيادة الوطنية الأفغانية؛ فستتحقق إنجازات أکثر تستفيد منها جميع الدول، ناهيك عن الإنجازات التي حققتها الإمارة داخل البلاد.

والمهم أن التغيير الذي سيكون لصالح الجميع لن یتحقق أبدًا من طرف واحد، وإنما یتحقق من جميع الأطراف الداخلة فيه، فأفغانستان التي هي جزء واحد من هذه الأجزاء قامت بخطواتها نحو التغيير المأمول، وأظهرت ذلك للجميع وهي تنتظر من الآخرين أن يقوموا بدورهم في هذا المجال، حتى يتحقق التغيير ويأتي بآثاره الإيجابية.

فهذه الإمارة الإسلامية أتت بهذا الكم الرهيب من الإنجازات للدول المجاورة، فقط في ثلاث سنوات، فهاتوا إنجازًا واحدًا حققته الحكومة السابقة العميلة لصالحكم في عشرين عاما؟ وهل یأتي العملاء بغير الفساد والدمار والخراب؟ وهل يحقق العميل غير ما يُؤمر به من قبل أربابه؟ فإلى متی التغافل والتجاهل للواقع؟ وحتى متی الفرار من الحقیقة التي أضحت كالشمس في رابعة النهار.

 

وإن المحاولات الأخيرة لبعض الدول المجاورة لن تغير شيئا من الواقع الذي تعيشه أفغانستان والمنطقة، والتي تأتي من فشلها السياسي والفكري، وأنها تسير في فكرتها الماضية العقيمة واستراتجيتها الخاطئة، شاءت أم أبت، وأن هذه الاستراتجية تضر بها قبل أن تضر بالآخرين.

 

إن الإمارة الإسلامية، بجهودها المتواصلة، حظيت بالإعجاب والتقدير لدى الكثير من المنصفين، وهيأت مجالا خصبًا للجميع، بما فيه الدول المجاورة، وأضافت التجديد والابتكار على ساحة أفغانستان دون أن تنزع منها استقلالها وهويتها، ووضعت كل شيء في موضعه، واقتلعت جذور الفساد المتراكم من أصوله وأطاحت به كليًا، وطوت الصفحات الماضية بكل سلبياتها وفتحت بابًا جديدًا للتغلب على التحديات والسعي للاستقرار والتنمية من أجل غدٍ أفضل لشعبها وسائر الشعوب.

وإمارة أفغانستان الإسلامية بحكم موقعها على رأس السلطة اليوم تتحمل مسؤولية أكبر تجاه الوطن والمواطن، فهناك فرق كبير بين كون الإمارة الإسلامية جماعة مقاتلة في السابق تقاوم الاحتلال، وبين كونها تمسك بزمام الحكم وتدير البلاد حاليًا، فلكل مرحلة طبيعتها ومتطلباتها، والجماعة المقاتلة لها هدف محدد ويتركز نشاطها ونضالها على القتال لتحرير الوطن، والمهمة التي تسعى لها الإمارة الإسلامية اليوم هي بناء الوطن وخلق بيئة آمنة مطمئنة لأبنائها والتغلب على التحديات التي يعيشها الوطن والترکيز على إعماره وبنائه من جديد.