إنّه جهاد لإقامة شرع الله تعالى، ولیست حرب تحریر (وطنیة)

إنّ القتال الدائر في أفغانستان هو جهاد إسلامي، والهدف منه هو تطبیق شریعة الله تعالی في جمیع مجالات الحیاة البشریة علی الفهم الذي ورثه سلف هذه الأمّة الربّانیون من رسول الله صلی الله علیه وسلم وأصحابه الذین رضي الله عنهم ورضوا عنه، وهو لیس حرب تحریر وطنیة لتحقیق المكاسب السیاسیة وتحریر البلد من المحتلّ الأجنبي لیحكمه أهله بما يشاءونه من القوانین والنظریات القومیة واللادینیة التي أحلّها حكام البلاد الإسلامیة محلّ شریعة ربّ العالمین المنزّلة علی رسوله محمد صلی الله علیه وسلم.
ولجهاد الشعب الأفغاني لتطبیق الشریعة والدفاع عنها جذور عریقة في التاریخ الإسلامي المعاصر، ومن أمثلة هذا الجهاد ثورة هذا الشعب عام 1929 م ضدّ حكم الملك (أمان الله خان) الذي أراد أن یحوّل أفغانستان إلی تركیا أتاتورك الثانیة بجعلها علمانیة وذلك بعد أن عاد من زیارته العجيبة للدول الأوروبية التي استغرقت قرابة سبعة أشهر. فقام ضدّه هذا الشعب وأسقطوا حكومته، ولاذ هو بالفرار إلی إیطالیا منفی الملوك العفنین.
وفي السبعینیات من القرن الماضي حین فتح الملك (ظاهر شاه) أبواب البلد أمام الشیوعیة والنظریات الضالة الأخری، وبدأ یضیّق الخناق علی أهل الدین، وطفق یعمل لتنحیة الشریعة الإسلامیة من حیاة الناس، انتفض ضدّه علماء الدین في هذا البلد، وبدأ الشباب المخلصون لدینهم معارضة حكمه بعد أنّ لم یُصغ الملك لمطـــــالبات الشعب الإسلامیة.
وحین وصل الرئیس (داود) ابن عمّ الملك (ظاهر شاه) إلی سدّة الحكم ومكن الشيوعيين من العمل في الحكومة والتأثیر في الشعب، بدأ أبناء هذا الشعب المؤمن جهادهم المسلّح ضدّ حكومته التي كانت تتكوّن من العلمانیین والشیوعیین والتي بدأت تحارب الشریعة عملیاً ولكن بدون إعلان حرب علیها.
وبعد سقوط الرئیس (داود) بید الشیوعیین الذین غدروا به وأقاموا نظاماً شیوعیاً مع عدم إعلانهم إلغاء الشریعة الإسلامیة في البلد، قام هذا الشعب بجهاده العظیم الذي شمل كل ولایات أفغانستان، ولم یكن جهاد هذا الشعب آنذاك لدفع الغزاة الأجانب، أو لتحریر البلد من الاحتلال الأجنبي، لأنّ الأجانب كانوا لم یغزوا ولم یحتلوا البلد بعد، بل كان جهاده لمحاربة الشيوعية وتطبیق الشریعة الإسلامیة في الحكم والحیاة. وحین خاف الاتحاد السوفيتي معقل الإلحاد في العالم من القضاء علی الشيوعية في أفغانستان بید الشعب الأفغاني المسلم أقدم علی احتلال هذا البلد، فكان جهاد هذا الشعب العظیم ضدّ الروس والذي تسبّب في انهیار الإتحاد السوفيتي، واعتُبِرَ (معجزة القرن العشرین).
وقد ترك الروس الحكم بعد خروجهم من هذا البلد إلی الشیوعیین والقومیین اللادینیین، إلاّ أنّ الشعب الأفغاني لم یقبل بذلك الحكم، واستمّر في مواصلة جهاده للقضاء علی الحكومة العمیلة التي كانت خَلَفاً للروس المـــــلاحدة إلی أن أسقطوها.
وبعد سقوط الحكومة الشیوعیة تناطحت المنظمات الجهادیة علی الحكم، ودمّرت البلد، وأساءت إلی سمعة الجهاد والإسلام بسوء صنیعها، وبدأت تنقض غزلها من قوة أنكاثاً بإقامة التحالفات مع القومیین وبقایا الشیوعیین، وبإقامة علاقاتها مع المعسكر الغربي الذی كان یكید للحیلولة دون قیام الحكومة الإسلامیة وتطبیق الشریعة في هذا البلد. فتحوّلت تلك المنظمات التي كانت تُسمّی (بالجهادیة) إلی منظمات قومیة وشبه علمانیة، ونسيت أمر تطبیق الشریعة، وجرّت البلد إلی دوامة من الحروب الداخلیة التي راح ضحیّتها عشرات الآلاف من المسلمین العزّل في هذا البلد، فما كان ردّ فعل الشعب علی صنیع هذه المنظمات التي كانت قد تحوّلت إلی منظمات المافیا والإجرام إلى أن ثار ضدّها في شكل (حركة طالبان الإسلامیة) تحت رایة (لا إله إلّا الله محمد رسول الله)، وواصلت الحركة جهادها ضدّ أولئك المفسدین إلی أن طهّرت منهم تسعین بالمائة من أراضي البلد، وأعلنت قیام (الإمارة الإسلامیة) وطبّقت الشریعة، وحاربت العلمانیة والشیوعیة والقومیة والنظریات الضالة الأخری، وآوت المستضعفین والمظلومین، وأقامت نظاما علی غیر الأسس التي وضعها الغرب للحكومات في البلاد الإسلامیة، وهذا الذي أغاظ الغرب الذي كان قد فرض قوانينه علی أنظمة وشعوب العالم الإسلامي، وكان قد تسلّط علی العالم الإسلامي سیاسیا، وعسكریاً، واقتصادیاً، وثقافیاً، واجتماعیاً، فاعتبر الغرب قیام الإمارة الإسلامیة (شرارة نار) ستُحرق مزروعه في العالم الإسلامي، ولذلك بدأ یكید لها في البدایة ثم أعلن حرباً ضروساً وشاملة ضدّها، وأقامت تحالفاً عالمیاً ضمّت فیه أنظمة الكفر والنفاق في المنطقة والعالم.
ولم یكتف الغرب بمحاربة الإمارة الإسلامیة عن طریق الوكلاء المحلّیین ، لأنّ الوكلاء المحّلین كانوا عاجزین من القضاء علیها، فغزا هذا البلد، واحتلّه بعد قتل ما یقرب من مائه ألف شخص ، ثم أقام فیه نظاماً علمانیاً كافراً یحارب الإسلام وشریعته في الحكم والنظام، ویحارب المجاهدین في السجون وفي جبهات القتال.
وقد حاربت الحكومة العمیلة الإسلام في هذا البلد في مختلف مجالات حیاة الشعب الأفغاني، فحاربته في الدستور والقوانین حیث وضعت دستوراً مشحوناً بالمواد الكفریة من إقرار الدیموقراطیة الأمريكية، ووثیقة حقوق الانسان الغربیة، وإباحة الإرتداد، والتحاكم إلی الطواغیت، واعتبار الجهاد الإسلامي إرهاباً محرّماً، وإلزام الحكومة بتطبیق ورعایة جمیع المعاهدات والقرارات والمواثیق للأحلاف والهئیآت الكفریة العالمیة.
وحاربت الإسلام في المجال العسكري بإنشاء الجیش، والشرطة، والإستخبارات، والملیشیات لمحاربة المجاهدین، وقد تمّ إنشاء جمیع هذه القوات المحاربة ضدّ الإسلام بید المحتلِّین الغربیین بقیادة أمریكا وتحت رعایتهم وإنفاقهم علیها، ووضعهم النظم والأولويات لها.
وكذلك حاربت هذه الحكومة الإسلام في المجال الاقتصادي بفتح المجال للبنوك الربویة، وسرقة ملیارات الدولارات من أموال الدولة، وتمكین المؤسسات الرأسمالیة الغربیة من السیطرة علی اقتصاد البلد، وتفویض أمر المرافق الاقتصادیة من قطاع النفط والغاز، والخطوط الجویة، وقطاع السیاحة والترفیة إلی الجهات التي تخدم المحتلّین وتحافظ علی مصالح الاحتلال في هذا البلد.
وحاربت هذه الحكومة الشریعة والمعتقدات الإسلامیة في مجالي التعلم والثقافة بعلمنة مناهج التعلیم العام، وحذف المواد الإسلامیة منها، وإدخال المواد التغریبیة مثل مفاهیم الديمقراطية، واللیبرالیة، والعلمانیة، والمعایشة السلمیة مع غیر المسلمین، والقوانین الوضعیة، وصبغ حیاة الشعب بالصبغة الغربیة من خلال عاصفة من وسائل الإعلام التي جاء بها المحتلّون لمحاربة الإسلام في حیاة الناس، ولإلهاء الناس عن التفكیر في الجهاد ومقاومة المحتلّین، ولتخدیرهم ببعض مظاهر (الإسلام الأمریكي) الذي لا یعرف (التوحید) ولا (الجهاد) ولا (الولاء والبراء) ولا الاحتكام إلی شریعة السماء.
وهي حاربت الإسلام في المجال الاجتماعي بفتح المجال للمؤسسات التغریبیة والتنصیریة، وبقتل العلماء والمصلحین وتهدیدهم وإخافتهم، أوإخراجهم من البلد، أو تكمیم أفواههم عن بیان الحق. وكذلك حاربته بتلمیع القیادات والوجوه من الفجّار والسلفة، والمغنّیین والمغنّیات، والراقصین والراقصات، واللاعبین واللاعبات، وبترغیب الجیل الجدید إلی الألعاب وقبول مظاهر الشعوب الغربیة.
ولكن بفضل الله تعالی وعلی الرغم من كلّ هذه المؤامرات وفتح مختلف جبهات الحرب العسكریة والفكریة لم یستطع الغرب وعملاؤه تنحیة الشریعة الإسلامیة من حیاة عامة الشعب، ولم تقدر القوات الغربیة أن تُحكم سیطرتها علی هذا البلد المسلم مع أنّها أنفقت مئات الملیارات من الدولارات، واستخدمت في حربها أحدث ما توصّل إلیه من الأسلحة والتقنية العسكریة ومن الآلة الإعلامیة العملاقة.
وهاهي القوّات الغربیّة تعترف بهزیمتها عملیاً بفرارها من هذا البلد، إلاّ أنّ فرارها من هذا البلد لیس بمعنی انقطاع شرّها وإیقافها للحرب في أفغانستان، بل فرارها من میدان الحرب هو في الحقیقة نقلة من الحرب العسكریة إلی الحرب السیاسیة والفكریة والاستخباراتیة التي هي أعقد وأخطر من الحرب العسكریة، وتأثیراتها ستكون أدوم وأشمل من تأثیرات الاحتلال المباشر، وسنشیر في السطور التالیة إلی بعض أهم نقاط اللعبة الشیطانیة الجدیدة.
1 – الثأر لهزیمته في الحرب عن طریق المراوغات والمحادثات:
لاشك في أنّ الهزیمة التي مُنیت بها أمریكـــــا والغرب
بأجمعه في معركتهما ضدّ الإسلام في أفغانستان هي من أعظم هزائم الغرب في العصر الحاضر، حیث لم تستطع أكثر من خمیسن دولة أن تحقق النصر مقابل شعب شبه أعزل قد خذله الأقارب والأباعد في معركته ضدّ الحلف الصلیبي العالمي، ولذلك تسعی أمریكا أنّ تستر هزیمتها بتسميات أخری، و أن تثأر لهزیمتها في الحرب عن طریق المراوغات والمحادثات للحیلولة دون قیام حكومة إسلامیة حقیقة بید المجاهدین.
وهذه اللعبة قد كرّرها الغرب مراراً وتكراراً في كثیر من البلاد الإسلامیة، حیث رحل عنها المحتلّون الغربیون عسكریاَ، ولكنّ سلطتهم السیاسیة، والفكریة، والقانونیة لا زالت قائمة في تلك البلاد، ولم تقم فیها الحكومات الإسلامیة التي ضحّی لأجلها المسلمون. لأنّ الغربیین خرجوا من تلك البلاد من الأبواب ولكن عادوا إلیها من النوافذ بمكر ودهاء سیاسي واستخباراتي، وهذا الذي یریدونه الآن في أفغانستان أیضا.
إنّ التحالف الصلیبي الغربي حین یئس من الغلبة علی المجاهدین عسكریا أعلن عن سحب قواته إلی عام 2014 م، ولمّحت بالمحادثات مع المجاهدین، ولكنه أصرّ لإجراء المحادثات علی هذه الشروط :
ألف : القبول بالدستور الذي وضعه الاحتلال للحكومة العمیلة في أفغانستان.
ب : إعلان البراءة عن الفعاليات الجهادية ومقاومة الاعداء.
ج : عدم المساس بمكتسبات الاحتلال الغربي والحكومة العمیلة في أفغانستان.
د : إلقاء السلاح علی الأرض وانتهاج (السیاسة السلمیة) للوصول إلی الحكم.
إنّ وضع أمریكا لهذه الشروط لإجراء المحادثات هو في الحقیقة نزع الاعتراف من المجاهدین ببقاء استمرار احتلال الغرب في أفغانستان بشكله الناعم الذي هو أكثر ضرراً للإسلام والمسلمین من شكله العسكري الخشن.
وذلك لأن الدستور الذي وضعه الاحتلال هو في الحقیقة قولبة الكفر المعاصر بجمیع معانیه في قالب قانون أفغاني. وهذا القانون مشحون بالمواد الكفریة- لیس هذا موضع ذكر أمثلتها لكثرتها ولوجود التلبیس فیها بین الكفر والإسلام والذي یحتاج إلی الشرح والتفصیل – ولذلك یصرّ الأمریكان علی إبقاء هذا الدستور لمستقبل أفغانستان أكثر من إصرار عملائهم في الحكومة العمیلة.
إنّ أغلال الدساتیر هي من أشدّ وأخطر أغلال الغرب التي قیّد وكبّل بها حرّیّة العاملین للإسلام في العالم الإسلامي، ولذلك لا یرید أن یفرّط فیه في أفغانستان أیضا. ولكن من حسن حظ الشعب الأفغاني في هذه المرّة هو أنّ الذین یقودون جهاده ضدّ الكفر العالمي هم من أبناء المدارس الشرعیة الخُلّص، ولیسوا ممن بینهم وبین الغرب جسور.
إنّهم یدركون تمام الإدراك أنّ الكفار لا یرضون من المسلمین إلّا بعد أن یرتدّوا عن دینهم ویدخلوا في الكفر، وهذا الذي أكد علیه رب العلمین في محكم كتابه حیث یقول: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) البقرة / 217. (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) البقرة / 120        
ولن تقبل قیادة الجهاد بهذه المساومة اللعینة التي هي فی حقیقتها شراء الكفر بالإیمان وهذا لن یكون بإذن الله تعالی.
والشرط الأمریكي الثاني لإجراء المحدثات هو إعلان البراءة عن الفعاليات الجهادية وهو أیضا من قبیل قطع الشجرة ببعض أغصانها، و لن یكون إن شاء الله تعالی.
لأنّ الجهاد في الإسلام هو ذروة سنامه، والمجاهدون هم مدافعون عن الإسلام وعن حیاض الأمة الإسلامیة في كل عصر، والأمة الاسلامية هي مأمورة شرعاً بالتكاتف والتناصر، والتناصح، لأنّها تبذل للإسلام، وهي ستكون قویّة أبیة إذا كانت تفكر علی مستوی الأمّة، وستضعف وتضمحلّ إذا انحصرت في القومیة والوطنیة الممقوتة التي یسعی لها أعداء الإسلام كخطوة أولی للقضاء علیها.
فالأمة الاسلامية اذا كانت متمسكة بالجهاد والدفاع عن نفسها ومنضبطة بضوابط الشرع، وكانت علی منهاج أهل السنة والجماعة، وكان هدفها هو إعلاء كلمة الله تعالی فلا يقدر احدا من الاقتراب منها والتعدي عليها. والكفّار في العالم یدركون أهمیّة وخطورة هذه الوحدة وهذا التناصر، ولذلك یسعون لهدمهما والقضاء علیهما بأیة طریقة كانت.
أمّا المكتسبات التي یتغنّی بها المحتلّون ویشترطون عدم المساس بها فما هي إلّا إقدامات لسلخ الشعب الأفغاني عن دینه وأخلاقه وقیمه الكریمة التي حافظت علی هویة هذا الشعب أمام عواصف الإلحاد والتغریب ونظریات الكفر والضلال. فمن هذه المكتسبات فرض الديمقراطية الغربية علی الشعب المسلم، ونشر العلمانیة (اللادینیة) في المجتمع والنظام، وإیجاد القوّات العسكریة العمیلة، وتحریر النساء من الالتزامات الإسلامیة، وعلمنة النظام والمنهج التعليمي، وإنشاء عشرات الأحزاب العلمانیة، وتبدیل التشكیلة الاجتماعیة المتماسكة للشعب بالتشكیلة الغربیة المتفككة التي لا یجتمع فیها الناس إلی علی المصالح المادّیة الدنیویة، وغیرها من معاول الهدم التي یهدم بها الغربیون المجتمعات الإسلامیة. فهذه المكتسبات هي عین الاحتلال ولكن، بشكله المدني الناعم. ولا یجوز لأیة حكومة إسلامیة أن تقرّ هذه المفاسد، بل یجب علیها إزالتها أو إصلاحها، لأن من أوجب واجبات النظام الإسلامي هو تنظیم حیاة المجتمع علی أسس الشریعة الإسلامیة، وإلّا فهي لا تكون حكومة إسلامیة. (یتبع)