التوفيق بين الأمر بقتال الناس من أجل الدين مع عدم إكراههم للدخول فيه

بقلم: احمد البوادي
قال تعالى : {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256) سورة البقرة
وقوله : {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} (99) سورة يونس
وقوله تعالى : {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا} 29) سورة الكهف )
ظن البعض أن هناك تعارضا بين هذه الآيات الكريمات التي تدعوا المسلمين على عدم إكراه الناس للدخول في الإسلام مع الآيات والأحاديث الدالة على وجوب قتال المشركين حتى يؤمنوا وأن دخولهم لا بد وأن يكون طوعا وبدون كراهية من أحد على ذلك، بخلاف ما لو آمن من ذات نفسه وهو كاره الدخول في الإسلام، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : “أسلم ولو كنت كارها” لأن هذا الإكراه ليس مجبرا عليه من أحد ولكن من ذات نفسه، فلا يصلح أن يعارض آيات الدالة على عدم الإكراه.
وأما الآيات والأحاديث التي ظنوا فيها التعارض كقوله تعالى : {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله}. وقوله تعالى : {الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} (76) سورة النساء وقوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} (123) سورة التوبة
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله “
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله”
استدل البعض من نفي الإكراه والجمع بين الآيات  بجواب  شيخ الإسلام رحمه الله كما في الفتاوى 19 / 20: قال رحمه الله جوابا على حديث ” أمرت أن أقاتل الناس .. ” (مراده قتال المحاربين الذين أذن الله في قتالهم، لم يرد قتال المعاهدين الذين أمر الله بوفاء عهدهم) أهـ.
ولكن يبقى السؤال مطروحا هنا فالحديث جاء لقتالهم حتى يؤمنوا بالله وحده لا شريك له وعصمة دمائهم متوقفة على دخولهم الإسلام، فلا يخرجهم من الإكراه كون التعليل بأنهم محاربون.
ففهم شيخ الإسلام رحمه الله بأن القتال للمحاربين فقط لا يزيل الإشكال على وجوب قتالهم حتى يدخلوا في الدين لأنهم حينئذ سيكونون مكرهين لأن الحديث دل على أنه لا يرفع عنهم القتال حتى يؤمنوا بالله وحده ، ولا تعصم دماؤهم إلا بدخولهم الإسلام .
فتبقى مسألة الإشكال في الإكراه في الحديث على الإسلام قائمة ، ولا يخرجها كون القتال للمحاربين دون غيرهم كما قال شيخ الإسلام رحمه الله .
إلا أن الذي استفاد من كلام شيخ الإسلام رحمه الله شيئا آخرا وهو : أن لا يقاتل في المعركة إلا من قاتل . فوجب التنبيه.
إذن كيف يمكن فهم هذا الحديث والآيات على وجوب قتال الكفار حتى يؤمنوا بالله وحده مع الآيات التي تدل على عدم الإكراه في الدين.
مع قتال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم المشركين وقد عفى عن بعضهم ، وقتل البعض ، وأسر آخرين ، وفادى البعض، وأطلق البعض كما في فتح مكة .
كل ذلك دون إكراههم  للدخول في الإسلام . ؟؟!!!
ولعل من أفضل الأوجه لفهم ذلك ما قاله ابن حجر رحمه الله بالفتح بعد ذكر عدة أمور فقال :
رابعها : أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة _  أي دخولهم الإيمان بشهادة لا إله إلا الله _ (“أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله .. ) وغيرها
التعبيرَ عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين, فيحصل في بعضٍ بالقتل وفي بعض بالجزية وفي بعضٍ بالمعاهدة…)أهـ.
وقد ذكر ابن حجر رحمه الله التفريق بين صيغة أقاتل ، وأقتل عند ذكر الحديث على أن أقاتل من المقاتلة وهي مفاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين ونقل هذا عن ابن دقيق في شرح العمدة وقال :  وحكى البيهقي عن الشافعي رحمهما الله : ليس القتال من القتل بسبيل، قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله.
وقال رحمه الله : وبهذه الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة، ولم ينقل أنه قتل أحدا منهم صبرا وقد وجدت جوابا لأحد الفضلاء عن ذلك فقال:
والحديث ينهي القتال بإسلام المقاتل، باعتباره أحد أسباب إنهاء القتال، ولكنّه لا يمنع إنهاء القتال بأسباب أخرى ورد النصّ عليها في القرآن الكريم أو في أحاديث أخرى، كإنهاء القتال بدفع الجزية أو عقد الذمّة أو عقد الهدنة أو الصلح على ما يجري التوافق عليه.
إنّ عدم جواز إنهاء القتال بأسباب أخرى غير الإسلام يُستنتج من مفهوم الحديث وليس من منطوقه.
والأخذ بالمفهوم – حسب علماء الأصول – غير مقبول عند أكثر العلماء. والذين يقبلون به يضعون لذلك شروطاً أهمّها أن لا يرد في الموضوع نصّ آخر. لأنّه عند ورود نصّ صريح في الموضوع لا يصحّ الأخذ بمفهوم نصّ آخر. ومن الثابت هنا وجود نصوص صريحة كثيرة تمنع الأخذ بمفهوم هذا الحديث. انتهى .
ومما جاء على أن قتال المسلمين للكفار ليس من أجل إكراههم في الدخول بالدين، وإنما غايته أمر آخر وهو قيام دولة التوحيد والتي يكون وجودها حماية الدين والتمهيد لتوسيع رقعة الدولة الإسلامية والتي تقوى بها العقيدة ويحمى جانبها ويكون وجودها سببا لدخول الناس الإسلام وبدون إكراه.
جاء في مناهل العرفان للزرقاني قوله:
أما السيف ومشروعية الجهاد في الإسلام فلم يكن لأجل تقرير عقيدة في نفس ولا لإكراه شخص أو جماعة على عبادة ولكن لدفع أصحاب السيوف عن إذلاله واضطهاده وحملهم على أن يتركوا دعوة الحق حرة طليقة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.
ويقرر هذا الكلام سيد قطب رحمه الله في كتابة الظلال في كلام جامع مانع قال رحمه الله: وقبل أن ننتقل من هذا الدرس يحسن أن نقول كلمة عن قاعدة لا إكراه في الدين إلى جوار فرضية الجهاد في الإسلام والمواقع التي خاضها الإسلام.
وقوله تعالى في آية سابقة “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله” : إن بعض المغرضين من أعداء الإسلام يرمونه بالتناقض; فيزعمون أنه فرض بالسيف في الوقت الذي قرر فيه أن لا إكراه في الدين أما بعضهم الآخر:
فيتظاهر بأنه يدفع عن الإسلام هذه التهمة; وهو يحاول في خبث أن يخمد في حس المسلم روح الجهاد; ويهون من شأن هذه الأداة في تاريخ الإسلام وفي قيامه وانتشاره ويوحي إلى المسلمين بطريق ملتوية ناعمة ماكرة أن لا ضرورة اليوم أو غدا للاستعانة بهذه الأداة وألقوا في خلد المسلمين أن الحرب ليست حرب عقيدة أبدا، تقتضي الجهاد إنما هي فقط حرب أسواق وخامات ومراكز وقواعد ومن ثم فلا داعي للجهاد.
لقد اقتضى الإسلام السيف وناضل وجاهد في تاريخه الطويل لا ليكره أحدا على الإسلام ولكن ليكفل عدة أهداف كلها تقتضي الجهاد .
أولاها : أن الإسلام جاهد : ليدفع عن المؤمنين الأذى والفتنة التي كانوا يسامونها ; وليكفل لهم الأمن على أنفسهم وأموالهم وعقيدتهم “والفتنة أشد من القتل”.
فاعتبر الاعتداء على العقيدة والإيذاء بسببها وفتنة أهلها عنها أشد من الاعتداء على الحياة ذاتها فالعقيدة أعظم قيمة من الحياة وفق هذا المبدأ العظيم وإذا كان المؤمن مأذونا في القتال ليدفع عن حياته وعن ماله فهو من باب أولى مأذون في القتال ليدفع عن عقيدته ودينه وقد كان المسلمون يسامون الفتنة عن عقيدتهم ويؤذون، ولم يكن لهم بد أن يدفعوا هذه الفتنة عن أعز ما يملكون، يسامون الفتنة عن عقيدتهم ويؤذون فيها.
وثانيا : أن الإسلام جاهد :
لتقرير حرية الدعوة بعد تقرير حرية العقيدة فقد جاء الإسلام بأكمل تصور للوجود والحياة وبأرقى نظام لتطوير الحياة جاء بهذا الخير ليهديه إلى البشرية كلها; ويبلغه إلى أسماعها وإلى قلوبها فمن شاء بعد البيان والبلاغ فليؤمن ومن شاء فليكفر ولا إكراه في الدين ولكن ينبغي قبل ذلك أن تزول العقبات من طريق إبلاغ هذا الخير للناس كافة; كما جاء من عند الله للناس كافة وأن تزول الحواجز التي تمنع الناس أن يسمعوا وأن يقتنعوا وأن ينضموا إلى موكب الهدى إذا أرادوا.
وثالثا أن الإسلام جاهد :
ليقيم في الأرض نظامه الخاص ويقرره ويحميه وهو وحده النظام الذي يحقق حرية الإنسان تجاه أخيه الإنسان; حينما يقرر أن هناك عبودية واحدة لله الكبير المتعال; ويلغي من الأرض عبودية البشر للبشر في جميع أشكالها وصورها فليس هنالك فرد ولا طبقة ولا أمة تشرع الأحكام للناس وتستذلهم عن طريق التشريع، إنما هنالك رب واحد للناس جميعا هو الذي يشرع لهم على السواء وإليه وحده يتجهون بالطاعة والخضوع كما يتجهون إليه وحده بالإيمان والعبادة سواء، وعلى هذه القاعدة يقوم نظام أخلاقي نظيف تكفل فيه الحرية لكل إنسان حتى لمن لا يعتنق عقيدة الإسلام وتصان فيه حرمات كل أحد حتى الذين لا يعتنقون الإسلام وتحفظ فيه حقوق كل مواطن في الوطن الإسلامي أيا كانت عقيدته ولا يكره فيه أحد على اعتناق عقيدة الإسلام ولا إكراه فيه على الدين إنما هو البلاغ .
جاهد الإسلام ليقيم هذا النظام الرفيع في الأرض ويقرره ويحميه وكان من حقه أن يجاهد ليحطم النظم الباغية التي تقوم على عبودية البشر للبشر والتي يدعي فيها العبيد مقام الألوهية ويزاولون فيها وظيفة الألوهية بغير حق.
لم يحمل الإسلام السيف إذن ليكره الناس على اعتناقه عقيدة; ولم ينتشر السيف على هذا المعنى كما يريد بعض أعدائه أن يتهموه: إنما جاهد ليقيم نظاما آمنا يأمن في ظله أصحاب العقائد جميعا ويعيشون في إطاره خاضعين له وإن لم يعتنقوا عقيدته.
وكانت قوة الإسلام ضرورية لوجوده وانتشاره واطمئنان أهله على عقيدتهم واطمئنان من يريدون اعتناقه على أنفسهم وإقامة هذا النظام الصالح وحمايته ولم يكن الجهاد أداة قليلة الأهمية ولا معدومة الضرورة في حاضره ومستقبله كما يريد أخبث أعدائه أن يوحوا للمسلمين.
لا بد للإسلام من نظام ولا بد للإسلام من قوة ولا بد للإسلام من جهاد فهذه طبيعته التي لا يقوم بدونها إسلام يعيش ويقود.
لا إكراه في الدين نعم : ولكن وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم .
من هذا يتضح أن قتال الأعداء ليس من أجل اكراههم في الدخول في الدين ، وإنما العمل لقيام دولة التوحيد التي من شأنها أن تحفظ للدين الإسلامي وجوده ، وللمسلم دينه وكرامته ، ووجودها دافعا لدخول غير المسلمين فيه من غير إكراه عليه .
فإن كان الأمر لقتال الكفار من أجل نشر الدين وقيام الدولة الإسلامية التي تحفظ الدين