الحقد الصليبي الفرنسي على مسلمي إفريقيا الوسطى!

france africa

france africa

 

تقع إفريقيا الوسطى في وسط القارة السمراء، ويقدرعدد سكانها بأكثر من خمسة ملايين نسمة؛ ينتمون إلى قبائل إفريقية مختلفة، ويدينون بديانات مختلفة كالمسيحية، ومعتقدات محلية، والإسلام.
نسبة المسلمين فيها -حسب المصادر المحايدة- تقدر بحوالي 20-25% من السكان، وتوجد النسبة الكبرى منهم في شمال البلاد في جهة حدود تشاد والسودان، حيث نشأت هناك سلطنة إسلامية في نهاية القرن السابع عشرالميلادي. ومما يذكر أن هناك قبيلتين كبيرتين تقطنان في منطقتي الشمال الشرقي من البلاد، وهما “رونغا” التي يعود الفضل إليها بعد الله عز وجل في الحفاظ على السلطنة الإسلامية في شمال البلاد، ولهذه القبيلة وجود قوي داخل الدولة من حيث الكوادر المسلمة، أما القبيلة الأخرى فهي “قولا”، وهي أيضا من القبائل الشمالية التي لها عدد من الكوادر المسلمة في الدولة.
وقد اعتمدت الحكومة العميلة لفرنسا في الإفريقيا الوسطى سياسة “فرّق تسد” في تعاملها مع أبناء الشمال الشرقي، فأثارت الفتنة بين هاتين القبيلتين لإشغالهما عن المطالبة بحقوق أهل الشمال من تقاسم الثروة، والمشاركة السياسية في الحكم، والتنمية المفقودة نهائيا في هذه المناطق، مما أشعل بينهما صراعا دمويا، راح ضحيته عشرات الآلاف من القبيلتين.
وبعد فقدان عشرات الآلاف ما بين جريح وقتيل توصلت القبيلتان نهائيا إلى اتفاق بينهما لوقف القتال، وشكّلتا مجموعتين ثوريتين مع القبائل الأخرى المقيمة في هذه المنطقة، وصبّتا جام غضبهما على الحكومة والجيش النظامي، فاستمرت الحرب بين الحكومة وهاتين المجموعتين،غير أن الحكومة استطاعت توقيع اتفاقية سلام مع إحدى الجبهتين بشروط.
إلا أن الحكومة العميلة لفرنسا لم تفِ بالوعود التي قطعتها، وساهمت في تأجيج الصراع الديني مرة أخرى، ودفع قواتها للاعتداء على ممتلكات المسلمين، ولعل أشهر تلك الحوادث ما جرى عام 1431، وراح ضحيتها المئات من المسلمين وغيرهم. من ناحية أخرى يوجد تذمّر شديد لدى كل أطياف الشعب -المسلمين وغيرهم- من الأوضاع المعيشية الصعبة، رغم أن أفريقيا الوسطى من أغنى الدول الأفريقية بالمعادن والمياه، في المرة الأولى لما تحركت قوات المعارضة بناء على إشارة من الحكومة التشادية صوب العاصمة، استقر الرأي في تلك المرّة على منح مهلة أخرى للرئيس لعلها تساهم في إعداد النخبة الجديدة التي تحكم البلاد، وضمان حصة كل طرف، فاتفقوا على عقد مؤتمر ليبرافيل في العاصمة الغابونية في 23 صفر 1434، ومن أهم البنود التي اتفقوا عليها والتي طرحت لأول مرة بند يتعلق بأن تكون للإسلام مكانة حقيقية بين الأديان المعترف بها في الدولة، وأن يحتفل رسميا بعيدي الأضحى والفطر، ويدرجان ضمن أعياد الدولة الرسمية، وأن لايتعرض المسلمون لسوء أو اضطهاد. 
لكن الحكومة لم تستجب لهذه المطالب، ولم تفِ بما تمّ الاتفاق عليه في اتفاقية ليبرافيل، ودخلت المنطقة في صراع مفتوح على كل الجبهات، فاتحدت الجبهتان للمعارضة في حركة واحدة سمّت نفسها  “سيليكا”، أي (العقد) بلغة السنغو المحلية وبناءً على هذه الوحدة وجدوا دعما قويا بالعتاد والسلاح من جهات إقليمية.
بدأت شرارة الاقتتال في ربيع الثاني 1434، ونجح مسلحوا تحالف “سيليكا” -الذين أغلب عناصرهم من المسلمين- في الإطاحة بالرئيس المسيحي فرانسوا بوزيزيه الذي تناصره مليشيات مناهضي “بالاكا” المسيحية والمدعومة فرنسيا.
وكان تعداد مقاتلي “سيليكا” نحو 25 ألف مقاتل وفق بعض التقديرات، وتزعّم الائتلاف ميشال دجوتوديا، وهو أول رئيس مسلم تولّى الحكم بعد سيطرة قواته على العاصمة والقصر الرئاسي وفرار” بوزيزيه” في 12 جمادى الأولى 1434.
وتمّ تشكيل الحكومة المؤقتة من 28 وزيرا، بمن فيهم وزراء الدولة، وأسندت لأول مرة في تاريخ الدولة 14 وزارة للمسلمين، إضافة إلى وزارة سيادية، وهي وزارة الداخلية التي عيّن وزيرا لها القائد نور الدين آدم، إضافة إلى أن معظم مستشاري الرئيس هم من المسلمين، وكان رئيس الجمهورية قد التقى وفدا رفيعا من المسلمين ما بين تجار وبرلمانيين وعلماء، وأسفر هذا اللقاء عن تلك التشكيلة الوزارية. وفي 7 ذوالقعدة 1434 قام الرئيس الجديد رسميا بحل قوات “سيليكا”، كما تمّ الإعلان عن دمج بعض مقاتليها في الجيش.
انزعجت الدوائر الغربية بشكل كبير من التمكين الذي حظي به المسلمون في عهد الحكومة الجديدة قبل الانقلاب عليها، فالموارد المالية لم تعد محصورة على الوزراء النصارى في هذه الحكومة، حيث كانوا يستغلون تلك الإمكانيات إضافة إلى مناصبهم السامية في الدولة لبناء الكنائس والمعاهد اللاهوتية، والتبشير الديني بين فقراء هذه المنطقة. وهذا يؤكد حضور البعد العقدي في التدخل العسكري الفرنسي الأخير في مستعمرتها السابقة جمهورية أفريقيا الوسطى. فرنسا هي الدولة الغربية التي تولّت تخطيط و قيادة المؤامرات ضد الحكومة الجديدة وقد حصلت على تفويض من مجلس الأمن للتدخل العسكري بسهولة تامة واتفاق صليبي مبطّن مع أعضاء هذا المجلس. قامت فرنسا بنشر قرابة 1600 جندي على أراضي أفريقيا الوسطى ، وبعدها قام الرئيس الفرنسي هولاند بزيارة خاطفة إلى “بانجي”، لتنضم إلى القوة الأفريقية المشتركة “ميسكا” المنتشرة بالفعل في البلاد بنحو ستة آلاف عسكري.
كان يظن الجميع أن فرنسا ستعزل الرئيس ديوتوديا زعيم تحالف “السيليكا” دون إراقة دماء، لكن في الحقيقة القوات الفرنسية لم تفعل شيئا من هذا القبيل، بل قامت بنزع أسلحة مقاتلي “السيليكا”، ولم يحدث أي نوع من التفاوض السياسي معها أو وضع حد لمليشيات النصارى المتطرفين وتصرفاتهم الهمجية الوحشية ضد المدنيين المسلمين، ومن ناحية أخرى تمّ إضعاف حكومة ديوتوديا عسكريا، بينما لا يوجد أي دعم سياسي له أيضا.
لم تستقر جماعة سيليكا في الحكم حتى ظهرت مجموعات أخرى مكوّنة من مليشيات قروية مسيحية متطرفة، تضمّ مجموعة من المزارعين المسيحيين ملقبة باسم “أنتي بالاكا” أو “مناهضوا السواطير”.
ظهرت هذه المجموعات من أتباع الرئيس بوزيزيه منذ 25 شوال 1434 في شمال غرب أفريقيا الوسطى. وأقاموا مجازر بحق المسلمين الأبرياء  وتهجيرهم من مناطقهم وحرق جثثهم.
ثم في  فجر الخميس 2 صفر 1434 ، تمّت عملية انقلابية من جانب الصليبين، قادها زمرة من المرتزقة بدعم فرنسي وبمباركة رجال الكنيسة، فكانت عملية قتل المسلمين في حي بوينغ من قبل المليشيات المتطرفة تضليلا للجيش الوطني للتحرك بعيدا عن مقاره حول القصر، ليفسح بذلك المجال أمام هذه المليشيات والمرتزقة لاقتحام القصر والإذاعة والتلفزيون، وإعلان الانقلاب مباشرة بتغيير الحكومة، لتأتي القوات الفرنسية لاستكمال اللازم وفرض الأمر الواقع.
ثمّ جرت التمثيلية الأخرى، وهي استصدار قرار من الأمم المتحدة صبيحة المجزرة لتثبيت حكومة جديدة، مع أن القوات الفرنسية قد وصلت إلى أفريقيا الوسطى قبل الموافقة، ودخلت مدينتي بوار، وبربرتي الغنيتين بالألماس والذهب، وحين أدركت باريس فشل محاولتها الانقلابية بدأت تعلن أن هناك حربا أهلية تجري بين المسلمين والمسيحيين، وأنها ما جاءت إلا لوقف الاقتتال الداخلي، وأن على المجتمع الدولي دعمها في هذه الجهود.
في 6 من صفر1434 أقدمت القوات الفرنسية بالتعاون مع القوات الأفريقية الموجودة في البلاد على نزع أسلحة أكثر من سبعة آلاف من مقاتلي سيليكا، ووضعهم في ثكنات مختلفة بالعاصمة، هذه الخطوة أغضبت المسلمين، لأنها كانت القوات الوحيدة التي تؤمن لهم شيئا من الحماية في مواجهة المليشيات المسيحية.
ولذلك نظّم المسلمون احتجاجات في بعض شوارع العاصمة، منددين بالانحياز الفرنسي لصالح المسيحيين، وأقاموا المتاريس بالإطارات والحجارة، احتجاجا على انتشار القوات الفرنسية، وقالوا إن هذا الأمر يترك المسلمين عزّلا من دون حماية من مليشيا “مناهضو بالاكا”.
مليشيا مناهضي بالاكا أو مناهضة السواطير بلغة السانغو، جماعات مسلحة محلية أنشأها الرئيس المسيحي فرنسوا بوزيزيه، وتضمّ في صفوفها بعض جنود الجيش الذين خدموا في عهده. وقد مارست ” بالاكا” عمليات قتل وحشية ضد المدنيين المسلمين على الرغم من عجزها عن تحقيق أي نتيجة أمام تحالف سيليكا، وتضمنت جرائم هذه المليشيات بحق المسلمين، حرق الجثث وبتر الأعضاء وتدمير المساجد وتهجير أعداد كبيرة من السكان المسلمين.
البعد الديني في هذا الصراع جلي وواضح للجميع بجانب الصراع على السلطة، أما على المستوى الخارجي فهناك أطراف دولية وإقليمية متورطة في الصراع من أجل مصالحها ولضمان نفوذها في البلد الأفريقي الضعيف الذي يمتلك موارد ضخمة، وفي مقدمة القوى الدولية تبرز فرنسا، المستعمر القديم لأفريقيا الوسطى والوصي الحالي على البلاد المدعوم من القوى الغربية (أوروبا والولايات المتحدة).
ثمّ الوجود الفرنسي ليس محايدا بين الفرقاء المتنازعين في أفريقيا الوسطى، قال إبراهيم عثمان المتحدث باسم الرئيس السابق ميشال دجوتوديا -في تصريحات له- “إن المسلمين لا يريدون فرنسا هنا، تجارة الذهب والألماس التي تشكل 80% من حجم اقتصاد البلاد في يد المسلمين، وفرنسا هنا من أجل انتزاع هذه السيطرة والإشراف على آبار البترول واليورانيوم”.
وأضاف أن “الصحافة الفرنسية لا تعكس الوجه الحقيقي للمذابح والاحتلال، والنقطة المهمة الثانية هي اعتناق عدد كبير من المسيحيين الإسلام عن طريق التزاوج بين المسلمين والمسيحيين، وتزايد هذه الأعداد تدريجيا”.
إن مؤامرات فرنسا ومجلس الأمن والمتطرفين من النصارى للإنقلاب ضد حكومة شعبية في بلد إفريقي فقيرمثل إفريقيا الوسطى وإطلاق أيدي جماعات متطرفة لتوغِل في دماء أبناء هذه الأمة المسلمة، إن دلّت على شيئ أو حكت عن حقيقة فإنما تحكي حقيقة واحدة وهي أن الأمة الإسلامية لا تزال مستهدفة من قبل الصليبين، ولاتزال المؤامرات تحاك ضد الأمة وأبنائها في أنحاء المعمورة، ولم يزل عباد الصليب يمكرون بالليل والنهار لتمزيق هذه الأمة وإهانتها وإضعافها. وما تزال المآسي  والمجازر والفظائع البشرية ضد أبناء هذه الأمة في تجدد وظهور. فما يتعرض له المسلمون في إفريقيا الوسطى من مجازر بدعم فرنسا التي لم تنسَ ماضيها الاستعماري البغيض، فرنسا التي منها تدفقت الجيوش الصليبية لغزو العالم الإسلامي بالأمس،  ليست الأولى من نوعها ولن تكون الأخيرة. فليست هذه المرة الأولى التي أقبلت فرنسا لتصبّ نار حقدها على الأمة المسلمة بتوفير الظروف  والأجواء لحدوث مجازر ضد المسلمين في أفريقيا الوسطى المستعمرة السابقة لها. فرنسا وحلفائها في الغرب لم ينسوا حروبهم الصليبية دينية كانت دوافعها أو مادية؛ فهل يعقل حكام الأمة المسلمة وقادتهم هذه الحقيقة!