الشعب الأفغاني الأبي والمجاهدون..جسد واحد

حدثتكم في الحلقة السابقة عما قاسيناه من المشاكل في استئذاننا للرحلة إلى خاشرود، وعما قمنا به من الجهود الجبّارة للذهاب هناك، وكيف فُرّج عنا ومُهِّد السبيل بدعوات جنود الله في الأرض (أعني الاستشهاديين)، فيحلو لي أن أواصل الكلام عما جرى بعد ذلك، وألقي شعاعاً على أهم ماحدث.

وصلنا بعد زوال الشمس تقريباً إلى ما يسمى في المصطلح المحلي “رود” وهو النهر المتلاطم العريض الذي أحاطت به أحياء صغيرة يميناً وشمالاً، تسقي منه وترتوي به المزارع، ومررنا بحيّ ونحن نريد أن نجتاز النهر بالقرب منه، فوجدنا على شاطئ النّهر عدداً من نسوة يبكين بكاءً أذاب القلوب، وينحن نوحة أدمعت العيون، وعدد من الرجال يسبحون في النهر يبحثون – على مايبدو – عن مفقود أو يفتشون عن غريق، فسألناهن من بعيد ماذا حدث؟ مالذي يبكيكن؟

فأجابت صغيرتهن: قد غرق قبل قليل ثلاثة من أهل الحي ولم يوجد حتى الساعة ثالثهم، فوقفنا على شاطئ النّهر نفكر وفي النفس عبرة، فانثالت علي الخواطر، وازدحمت علي المعاني، وجالت في النفس الأفكار – من العجيب جولة الأفكار في النفس و سرعتها – وقلت في نفسي إن هذا واقع الحياة وعاقبتها، الحياة التي تسوق صاحبها إلى الموت الذي لامفر منه سوقاً، وتدفعه دفعاً إلى المنيّة التي لا مناص منها.

إنه الموت الذي لابدّ أن تذوقه كل نفس، الموت الذي لم ينكره أحد من الناس عبر القرون ولن ينكره، الموت جسر العبور من الدنيا إلى الآخرة، الذي هو نعمة تفرح قوماً وتدخلهم الجنة أو تحزن قوماً وتلقيهم في جهنم.

قلت في نفسي يا أسفاً على هؤلاء الذين ماتوا في أرض الإيمان والاستشهاد ولم يظفروا بالشهادة في سبيل الله، في سبيل طرد أعداء الله و رسوله، في سبيل تحرير أرض الأفغان، في سبيل تطهير أرض الإيمان والاستشهاد من أنجاس الصليب.

أليس الموت حقاً؟ أليس الموت يلبس كل نفس لامحالة؟ إنه لا يفرق بين المجاهدين وغيرهم، ولا يميز بين من قاتل ومن لم يقاتل، فلماذا نهاب الموت في ميادين القتال؟ ولماذا نحسبه في المعارك حصراً؟ { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ }.

ألسنا نعتقد – نحن المسلمين – أن الموت يفاجئنا عند موعده المقرر في لوح محفوظ، لا يسرع في المعارك ولايبطئ في بروج مشيدة؟ { لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}.

نموت صافَ الزمن أم شتَا، سواء أقاتلنا أم لم نقاتل.

أي يوميّ من الموت أفرّ              يوم لا قُدِّر أم يوم قُدِر

يوم لا قُدِّر لا أرهبه                     ومن المقدور لاينجو الحَذِر

ولكن السعيد هو الذي قضى نحبه في المعارك دفاعاً عن حمى الإسلام، هو الذي يموت شهيداً، ويسمى عند الله شهيداً، ويحشر يوم القيامة شهيداً وجراحه تشخب دماً، اللون لون الدم، والريح ريح المسك.

إن الشهيد هو الذي لايعدّ موته موتاً، إنما هو ولادة جديدة في عالم جديد، وبداية حياة سعيدة سرمدية خالدة، لا نهاية لها كمّاً ولانقص فيها كيفاً، من ذا الذي يخاف الموت؟ ومن ذا الذي يبغض السعادة؟ ومن ذا الذي لا يتوق إلى لقاء حبيب ينتظر لقائه منذ أمد بعيد؟

نعود إلى حديثنا، فوصلنا إلى خاشرود قبيل غروب الشمس، بعدما ضللنا طريقها في صحراء قاحلة، لاماء فيها ولا كلأ.

وصلنا إلى “خاشرود” التي هي تأويل أحلامنا ومقصد أمنياتنا، دخلناها ونحن نشعر بنجاح كبير ونلمس نتيجة جهودنا التي وضعناها في سبيلها.

كيف لا وهي أرض وطئتها أقدام الشهداء، وعاش فيها أبطالنا، وأريقت فيها دمائهم الزكية، ودفنت تحت ترابها أجسامهم النعيمة، ولم نأكل في الطريق من الطعام ما يسند ظهرنا، ويقيم صلبنا، فكنا نحتاج – بحكم الطبيعة – إلى ما يسد جوعنا، فنزلنا جنب مسجد بالقرب من حيّ فرأينا رجالاً يعودون من مزارعهم إلى منازلهم وعلى عواتقهم محمولات فوقع نظرهم علينا من بعيد، فأدركوا أننا غرباء ولسنا من خاشرود، فأتونا وعرفوا فينا أثر السفر وعلامة التعب، وسلّموا علينا وحيّونا تحية موجزة، ووضعوا أمامنا محمولاتهم فإذا فيها من البطيخ ما يسمننا ويغنينا من جوع. فعلمنا من أول يوم أنّ أهل خاشرود أهل ضيافة وكرم ومواساة.

وبمضي الأيام علمنا أنّ الودّ بينهم وبين المجاهدين قديم متين، وصلات الحبّ بين الفريقين قوية، وعلاقات الإخلاص وثيقة.

إنهم يحبون المجاهدين حبّا جمّاً، ويخدمونهم بما لا مزيد عليه؛ فإنّ المجاهدين يبيتون في منازلهم ويخالطونهم في بيوتهم ويأكلون من موائدهم. إن أهل خاشرود هم فرسان خاشرود وحماتها وأبطالها وأسودها؛ فإن خدمة المجاهدين وحمايتهم لا تقلّ عن قيمة الجهاد ذاته.

فالعلاقة بين الشعب الأفغاني وبين المجاهدين وطيدة وقائمة على ساقها، لم تضعضعها مكائد الاحتلال، ولم يفسدها نفاق العملاء، ولم تزعزعها نشاطات الجمعيات والمؤسسات التبشيرية، ولم تؤثر عليها وسائل الإعلام الأجنبية.

إنّ أهل خاشرود لا يكتحلون بنومة هنيئة في الليالي التي يقوم فيها الاحتلال بشن حملات وغارات على المجاهدين، إنما يسهرونها ويدعون الله ويبتهلون إليه كي ينصر المجاهدين، وتتجلّى في وجوههم الشاحبة من دلائل اللوعة ما يستمطر الدموع من الصخرة الصماء، ولا أستطيع أن أنفذ إلى شغاف قلوبهم، فأصوّر ما استعر بها من اللهيب حزناً للمجاهدين، وكأن الغارة قد شنّت على كلهم أجمعين، فلا يسكن لهم قلب، ولايطمئن لهم صدر، ولا تنام لهم عين.

إنها هي المواساة التي أشاد بها لسان النبوة قائلاً: الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنْ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَإِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ {صحيح مسلم }.

كان أخونا في الله (محمد علي) لايزال يقول لنا معرباً عمّا في ضميره من المشاعر الطيبة والعواطف النزيهة: والله إني أحبكم أكثر من أولادي حتى الصغار منهم لأجل تضحياتكم لإعلاء كلمة الإسلام – جزاه عنا خير الجزاء وجعلنا عند حسن ظنه – فإنه كان والله يخدمنا ليله ونهاره، صباحه ومساءه، ووضع في خدمتنا جهده وبذل لنا رعايته كلها وكان يستقبلنا بالبشر والبشاشة كلما دخلنا عليه، ولم نجد من التعب أثراً في وجهه، ولا للكسل علامة في عمله، رغم أنه كان قريب العهد بالسجن، وقد أطلق سراحه من قريب، كان المحتلون قد فاجئوه في منزله ذات ليلة واعتقلوه لمدة سنة كاملة لأجل نشاطاته وخدماته للمجاهدين، ولكنه أكيد العزم وعظيم الإرادة وعالي الهمّة، لا يبالي شيئاً ولايخاف في الله لومة لائم، لا تخوفه التعذيبات والاعتقال والتهديدات.

إنما الاعتقال قد زاده شجاعة وقوة، بيد أنه كان يقضي ليلته في غير منزله، ويختفي في الليالي التي يقوم المحتلون فيها بالمداهمات ضد المجاهدين كي لايقع في أسرهم، إن هذا ينم عن حبّ خالط بشاشة القلب، وعقيدة دخلت أعماق القلب، وإيمان لا تزلزله العواصف.

فهذه الاعتقالات مهما طالت، لا تخور بها همة المسلمين، ولا تضعف بها قوة الشعب الأفغاني، المتحمس، الصامد، المتفاني، ولا تفسد عقيدته، ولا تغير وجهة نظره، ولا تحرف أهدافه، ولا تنقص شجاعته وحماسته. بل إن لهذه الضغوط تأثير إيجابي على عكس ما يتمنى الاحتلال؛ فإن الإنسان حريص فيما مُنِع.