الوطن الحبيب؛ أفغانستان (۱) : من دار الهجرة إلى دار العزة

محمد صادق الرافعي   إن الهجرة من الأمور التي يعيشها الإنسان طوعًا أو كرهًا، وليست وليدة يوم أو يومين، ولا ينفك الإنسان عنها رغم جميع التحولات التي حدثت في العالم، والتي جعلت من العالم قرية صغيرة. بيد أنّ الهجرة طال عهدها بالشعب الأفغاني، وأصبحت جزءًا من حياته، ووصلت بحقه إلى الحد الأقصى، فليس هناك أحد […]

محمد صادق الرافعي

 

إن الهجرة من الأمور التي يعيشها الإنسان طوعًا أو كرهًا، وليست وليدة يوم أو يومين، ولا ينفك الإنسان عنها رغم جميع التحولات التي حدثت في العالم، والتي جعلت من العالم قرية صغيرة. بيد أنّ الهجرة طال عهدها بالشعب الأفغاني، وأصبحت جزءًا من حياته، ووصلت بحقه إلى الحد الأقصى، فليس هناك أحد من الأفغان إلا وقد ذاق مرارات الهجرة، وتجرّع آلامها هو أو بعض أهله، وهناك الكثيرون ماتوا أو ولدوا في الهجرة، وربما نشأوا فيها وليس عندهم إلا الحسرات والمخاوف من الترحيل الذي لا تتعين ساعته ولا يُحدد زمانه، وبالتالي يكونون دائمًا في قلق واضطراب، ويعيشون دون سكون وهدوء، ويفوتهم الحال والمآل ويختلط عليهم الحابل بالنابل، وهذا حال كل مهاجر في البلاد المجاورة لأفغانستان اليوم، وكثير منهم تعوّدوا على هذه الحياة الضائعة والعيش الكريه، ونسوا معنى العزة والفخر والاعتزاز مضطرين قلقين.

وأنا -مثل كثير من الأفغان- وُلِدتُ في دار الهجرة، ونشأت فيها، دون أن تكون لي رؤية لمستقبل حياتي أو مستقبل بلادي، وعشت مثلهم في خوف من الترحيل والإجلاء، وضاعت الآمال وحبطت الكفاءات وقُتِلت المواهب، وربما دُفِنت تحت التراب، وذهبت أدراج الرياح وأصبحت نسيًا منسيًا.

 

ولما عادت الإمارة الإسلامية إلى الحكم من جديد واستقرّت الأمور، وطُهِّرت البلاد من دنس الاحتلال؛ عزمتُ على العودة إلى الوطن الحبيب، طالبًا العزة والكرامة والحياة الكريمة كما هو شأن كثير من الإخوان الذين عادوا ليروا أيامًا سعيدة على ساحة الوطن وليشموا رائحة الحرية والاستقلال تحت راية الإمارة الإسلامية، بعد أن طال بها عهدهم، ورمتهم الهجرة في طول العالم وعرضه، وتمادى بهم الترحال والنزول، عاقدين آمالهم على النظام الجديد وعلى جهود أبناء البلاد المخلصين، متمنّين أن تصبح أفغانستان بلادًا حديثة متطورة، وتزول عن اسمها السلبيات المُلصقة بها طوال نصف قرن من عدم الاستقرار وعدم التطور والاقتتال والقتل والنزوح وغيرها.

وبخطى متثاقلة، وعلى خوف من البطش في الصباح الباكر، ذهبت إلى المخيم الخاص باللاجئين لكي أعود طواعية. وكان من المقرّر أن من يقصد العودة طوعًا يُستقبل بالحفاوة ويُساعد على العودة، ولكن من سوء حظي، أُزعِجتُ ومُنعتُ من العودة لمدة أسبوع رغم أني كنتُ من المبادرين إليها، وحبسني مسؤولوا المخيم هذه المدة لعلة لا علم لي بها، لعل هيئتي العلمية وربما اللحية واللِبسة جعلتهم يمنعوني من العودة ويؤذوني، وبذلك أكملوا ما بدأوا به من التهكّم والأذى والإهانة خلال فترة الإقامة في بلادهم.

وخلال مدة إقامتي هناك كان مسؤولوا المخيّم يعاملون المهاجرين معاملة سيّئة غير إنسانية، وربما ضربوهم فضلا عن الإهانة والسخرية التي كانت عملهم الدائم، ودأبهم القائم. لا أدري هل للمهاحرين حقوق في إطار المواثيق والقوانين الدولية؟ أليس هناك من يقف ضد هذا المعاملة السئية؟ وكان المخيم مكتظا باللاجئين، ويندر فيه الماء والطعام، وكان اللاجئون يعانون هذه المشكلة، ورأيت شابًا يُغشى عليه لشدة الجوع والعطش، وكان ملقياً على الأرض تحت الشمس، وكاد الموت يعانقه والناس يضجون أمام المسؤولين لأخذه إلى المستشفى بسيارة الإسعاف ولكنهم لم يعيروه ولم يعيروا ضجات الآخرين أي اهتمام، ولا أدري ماذا أصبحت عقباه؟ هل بقي على قيد الحياة أم مات؟

كانوا يعاملون اللاجئين معاملة راعي الغنم فيحدّقون في أعينهم، ويسوقونهم، وربما جذبوهم أو ألقوا إلى أسماعهم بأنواع الكلمات التافهة، وكأنهم يتعاملون مع قتلة أو ما شابه ذلك! وكان العديد من اللاجئين عطاشى جائعين لا درهم لهم ولا دينار، وكانوا حائرين ذاهلين، فمنهم من يتعلل بالأماني ومنهم من يتفطر فزِعًا، وبين الفريقين آخرون صامتون يحبسون أنفاسهم، وهم قليلون، ويأملون أن يُعطف عليهم، وينجوا من أيديهم. والأسوأ أن الحاجب والمنظّف والطباخ يعاملونهم نفس المعاملة، ويتفوهون بكلمات ربما يأباها اللسان وينكرها العقل السليم ولا علاقة لها بالإنسانية فضلا عن الدين والأخلاق والقيم.

وعندما رأيت أسلوبهم هذا ورأيتهم يعملون في هذا المخيم، مر في ذهني أنهم -وهم بعدد كبير- يعملون في هذا المعمل (المخيم) وربما يأخذون رواتبهم بالدولار من قبل منظمة الأمم المتحدة ولهم عمل قد أصبح مستمرا، فهل وظّفتهم المنظمة لأشخاصهم أم أن وجود اللاجئين كان سبباً لهم في ذلك ورزقهم الله تعالى من ناحية هؤلاء المظلومين المنكوبين؟

وسمعت غير مرة أنهم يرون المهاجرين تهديدا لأمنهم واستقرارهم. شاهدت مقطع فيديو عبر مواقع التواصل الاجتماعي لمسؤول يتكلم بكل وعيد أن الوقوف ضد المهاجرين واجب شرعي كالوقوف ضد العراق في الحرب الإيرانية العراقية، مضيفًا: لابد من ترحيلهم من البلاد وتطهير البلاد من وجود اللاجئين.

وهذا يعني أن هذه الفكرة لها جذور وترتوي من الأعلى، وربما هناك محاولات لتصعيد هذه الفكرة وإحياء العصبية والوطنية.

وبعد أسبوع جعل الله لي فرجًا وسمحوا لي بالخروج وغادرت دار الهجرة إلى دار العزة؛ إلى أفغانستان الحبيبة. ومما لابد أن نذكره أن هناك العديد من الحافلات يتركز عملها على نقل المهاجرين، وليس هناك من تنقله هذه الحافلات سوى هؤلاء، ويأخذون منهم أجرة باهظة. وبالنظر إلى الطريق الذي تسلكه هذه الحافلات، فإن هذه الأجرة كانت مرتفعة للغاية، ومما يزعجنا أن سائقي الحافلات -رغم هذه الوظيفة المربحة- يعاملون المهاجرين نفس المعاملة ويصرخون في وجوههم وكأنهم ينقلونهم بالمجان.

وسمعت هناك أن مسؤولي هذا المخيم منذ مدة كلما رأوا شخصًا من أهل التدين والتقوى وسمته يدل على العلم وكونه عالما أو طالبا ركزوا عليه وراقبوه وألقوا عليه القبض بأنواع الحيل والأساليب، ويحبسونه لمدة غيرمعلومة، ولايراعون فيه إلا ولا ذمة، ولا ميثاقا ولا عهدا، وربما يأخذونه إلى مكان غير معلوم للاستنطاق أو شيء غير ذلك، ومنعوا الكثيرين غير مرة من الخروج إلا بعد عشرة أيام أو أكثر، ومما يقلقنا أنهم لا يراعون حال من معهم من النساء والولدان والرجال الضعاف، بل وهذا أمر ربما يمنع المهاجرين طواعية من العودة إلى البلاد ويجعلهم يغادرون دار الهجرة من المعابر غير الشرعية، وربما أدى بهم ذلك إلى مشكلات لا تحمد عقباها.

ورغم جميع المشكلات والمصائب؛ تمكنت أن أدخل أفغانستان الحبيبة؛ دار العزة والكرامة ومأوى المظلومين والمضطرين، والتي ما باعت العزة والكرامة وما استبدلت الاستقلال والحرية بشيء من متاع الدنيا. ومنذ تولي الإمارة الإسلامية حكم أفغانستان؛ زادتها روعة وبهاءا، وجمعت الأمن والشعور به على أرض الأفغان. ولما دخلتها أحسست الحرية والاستقلال والعزة وأنها هي أرض الدين والعلم والعلماء وأرض يُحترم فيها الناس على اختلاف أعراقهم وألوانهم ومذاهبهم، ويعيشون فيها دون أي مشكل وانزعاج:

 

وَطَنِي يُجَاذبني الهوى في مُهْجَتِي

هُوَ جنّتي هو مَرْتَعي هو مَسْرَحي

آوي إليه وملْءُ عـيني غَـفْوَةٌ

هُو من أحَلِّقُ فَـوْقَهُ بِجوانـحي

 

بغض النظر عن طريقة وصولي إلى الوطن؛ فإن ما أزعجني أني في الطريق رأيت جانبا من “مدينة زابل” وما حولها عامرة مخصبة بالمياه التي تجري إليها من أفغانستان، وترتوي بها أراضي زابل، بينما المواطنون في ولاية نيمروز محرومون من هذه الموهبة الإلهية، لا أضن بها لإخواننا في إيران ولا مجال للشح ههنا، ولكن أوّل الشرع والعرف والقانون ولاية نيمروز حتى ترتوي بها أراضيها الحاقلة الجدبة وتخصب وتشهد الرفاهية والسعة ولا يُجبر أهلها على المهاجرة وترك وطنهم.