الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأسوأ في التاريخ!

انسحبت معظم القوات الأمريكية من أفغانستان، ولكن بقيت جميع الأطماع الأمريكية في هذا البلد كما هي. تغير شكل الاحتلال، فتغير شكل أدوات السيطرة. توارت الأدوات الأجنبية، بينما تصدّرت الأدوات المحلية المشهد، سواء على المستوى السياسي من حكومة وبرلمان وإدارات محلية، أو على مستوى القوى العسكرية الضاربة والمخابرات والشرطة. وجميعها أدوات توصف رسمياً بالوطنية للتمويه على حقيقة التبعية والولاء للمستعمر.

لقد أجدبت قريحة الخبث الشيطاني للولايات المتحدة، فباتت تُكرّر في أفغانستان ما فعلته سابقاً في ساحات أخرى وقعت فريسة الإحتلال والعدوان الأمريكي، خاصة تجربتها في العراق ـ زميل المأساة ـ والضحية الثانية لحملة بوش الصليبية على العالم الإسلامي بشعارها الذي يجمع بين الجنون والوحشية، أي شعار “الحرب على الإرهاب”، وكأن هناك إرهاباً آخر خارج الولايات المتحدة، وحلف الناتو، أو بقرتهم المقدسة “إسرائيل “.

نتيجةً للمقاومة الإسلامية العنيفة في كلا البلدين، أفغانستان والعراق، اضطرّت الولايات المتحدة إلى سحب قواتها ظاهرياً، مع استمرار الحرب بوسائل أخرى في كلا البلدين. وعلى رأس تلك الوسائل:

– حكومة ضعيفة، فاسدة، ذات مكونات متنافرة، تنفّذ سياسة المستعمر الأمريكي لإدارة شؤون الدولة في الداخل والخارج.

– ترسيخ نظام حكم طائفي، قائم على توزيع غنائم الحكم ومراكز القوى في الدولة على أساس طائفي ومذهبي وعرقي. ليستمر الاقتتال بين كل مكوّنات الشعب، وحتى بين مكونات الحكومة نفسها.

فكل وزير أو مسؤول كبير يعمل لنفسه أولاً لتكديس الأموال قبل يوم الرحيل أو الفرار خارج البلاد. ثم يعمل لمصلحة طائفته التي تدعمه وتحميه وتتعصب له بالباطل قبل الحق. ثم يعمل لمصلحة القوى الخارجية التي ترعى ذلك النظام وتحميه بكافة السبل السياسية، والعسكرية، والمالية، والإعلامية. ثم يعمل لمصلحة أقرب الدول الإقليمية ذات النفوذ، والمماثلة للون المذهبي أو الطائفي أو العرقي، ويعمل لصالحها في بلاده مقابل دعمها له شخصياً ثم للكتلة السكانية التي يمثلها.

– إبقاء التناحر والصراع والإقتتال الداخلي بين جميع تلك القوى الإجتماعية والتيارات الدينية، والعرقية، والسياسية، وأيضاً بين جميع الشخصيات والزعامات.

باختصار: إبقاء فتنة “حرب الجميع ضد الجميع”. وتساعد الولايات المتحدة كل أعوانها لضرب بعضهم البعض لحفظ التوازن فيما بينهم، لتكون هي مشعل الحرب ورجل الإطفاء، ومنظم درجة اشتعال الحرائق المندلعة بين الطوائف والفرق والنحل.

– تشكيل مجموعات الفوضى المسلحة، ذات الطابع المفرط في التطرف، وتمويلها وتسليحها وتعيين قياداتها وربطها بالمكونات المحلية لتستمد منها المقاتلين، ثم ربط تلك الجماعات المتطرفة بالقوى الدولية والإقليمية التي تتولى التمويل والتسليح والمساندة السياسية والإعلامية، نيابة عن الولايات المتحدة التي تدير اللعبة بأقل قدر من التكاليف البشرية والمادية.

– لحماية كل تلك الفوضى الدامية والفساد المالي والإداري والأخلاقي، لابد من وجود قوات مسلحة “وطنية !” ومخابرات وأمن، لهدف أساسي: منع الشعب من الثورة، أو منعه من مجرد التذمر إن أمكن ذلك.

أما الوصول إلى درجة إقناع الشعب بتلك المهزلة وأنها قمة التقدم والرقي و”الديموقراطية” و”الحداثة ” و”التمدن” فيلزم جهاز إعلامي يمارس التضليل وقلب الحقائق، والإغداق عليه بالمال وتزويده بأرقى تكنولوجيا الإتصال الحديثة.

تراعي الولايات المتحدة في اختيار الأفراد الذين يتولون إدارة تلك اللعبة الشيطانية في البلاد المنكوبة، من سياسيين، وجنرالات ومثقفين، أعلى معايير الإنحطاط الأخلاقي والولاء للمستعمر. مع تمتعهم بمواصفات الطمع والقسوة، وفساد الضمير وانعدام الدين، والقدرة غير المحدودة على الخداع والكذب.

فمن أمثال هؤلاء يجيء القادة والوزراء ونجوم المجتمع والإعلام وأصحاب المناصب الرفيعة، وقد يفوزون بأعلى الجوائز الدولية أو على الأقل يحوزون على درجات عالية من المديح والتمجيد الذي لا يستحقون منه شيئا، بل هم على عكسه تماماً.

 –  وإذا نظرنا إلى ما يجرى في أفغانستان الآن سواء بعد فرار قوات أمريكا والناتو، أو حتى قبل ذلك بسنوات، نلاحظ أنه يسير على نفس المبادئ سابقة الذكر. وآخر ما شهدته الساحة الأفغانية من حلقات، كان مهزلة انتخابات الرئاسة، وما تلاها من تشكيل حكومة وحدة وطنية بين عميلين للمستعمر، هما “أشرف غني” ونظيره “عبدالله عبدالله”. وفي الحقيقة أنه لا خلاف مطلقاً في خضوع كليهما للمشيئة الأمريكية، والفارق يأتي في الدور الذي يمكن أن يؤديه كل منهما. فلا شك أن “غني” هو رجل النظام الاقتصادي الدولي القائم على نهب الثروات، وإفقار الشعوب، ونشر التعاسة في أرجاء الأرض لصالح قلة من كبار محتكري ثروات الكرة الأرضية بواسطة مؤسسات دولية مثل البنك الدولي، والشركات العابرة للقارات، المتحكمة في حكومات العالم الكبرى منها قبل الصغرى. وذلك هو دور رجل الاقتصاد وعميل البنك الدولي ” أشرف غنى”. أما “عبدالله عبدالله” فهو النزق الدموي والأقرب إلى مزاجية المحافظين الجدد في غبائهم الاستراتيجي ومغامراتهم العسكرية الخائبة، وطيشهم الأمني والسياسي، لذلك فهو مناسب أكثر للجناح الأشد تطرفاً في الإدارات الأمريكية.

وفوق كل شيء فإن هذين القائدين العميلين لن يتورعا عن إشعال حرب إثنية، بين الطائفتين الكبيرتين اللتين ينتميان إليهما، في حال صدور الأوامر الأمريكية بذلك. وغالباً ستترافق الفتنة العرقية مع فتنة أخرى طائفية حتى يتم التطابق المأساوي بين أفغانستان والعراق. بعد نصرة الله للشعب الأفغاني المجاهد، فإن العنصرالوحيد القادر على منع كل ذلك المكر السيء هو قيادة الإمارة الإسلامية التي أجمع الشعب على القتال تحت رايتها المنتصرة في كل معاركه العسكرية والسياسية ضد الإحتلال الأمريكي/الأوروبي.

–  لقد رأينا مهزلة الحكومة الجديدة وكيف أن الوزراء المرشحين يحملون جنسيات “استعمارية” لذات الدول التي حاربت الشعب الأفغاني وسفكت دماء مئات الآلاف من شبابهم. ودون الخوض في نقاش مطول حول أسماء المرشحين ومعنى المنصب الذي تولاه كل واحد منهم، نكتفي بالإشارة فقط إلى أن الولايات المتحدة قد وضعت حاملي جنسيتها في وزارتين بالتحديد، الأولى هي وزارة التعليم العالي، والثانية هي وزارة مكافحة المخدرات. وإن جاز لنا أن نسأل “لماذا؟ ” فيكفي أن نجيب بأن الوزارة الأولى تتحكم في مستقبل أفغانستان عن طريق شبابها المتعلمين الذين سوف يتولون مستقبلاً أعلى المناصب في البلد. أما الوزارة الثانية أي وزراة مكافحة المخدرات فهي التي ستظل توفر للخزينة الأمريكية ولمافيا المخدرات هناك أكبر الموارد المالية المتاحة في الإقتصاد العالمي غير المعلن. فمن هي إذن الدولة الأكثر فساداً في العالم ؟؟. هل هي حسب قول منظمة الشفافية العالمية الصومال أم كوريا الشمالية، أم السودان، أم أفغانستان، أم… ـ وتلك هي الحقيقة الكاملة ـ هي الولايات المتحدة.. الدولة الأكثر فساداً وإرهاباً في العالم.. هذه الدولة التي منذ نشأتها الظالمة وهي تقوم على مبادئ الخداع والقسوة. وتقود العالم بالإرهاب، وتشحن بنوكها بأموال المخدرات. إنها حقاً الدولة الأسوأ في التاريخ.