بفضل الاحتلال الأمريكي: أفغانستان أكبر مزارع الأفيون في العالم

إن المصانع والمعامل الخاصة بمعالجة الأفيون لتحويله الى هيروين قد شهدت نمواً هائلاً في ظل الاحتلال الأمريكي، مما يعني أن زيادة الإنتاج كانت ببركة هؤلاء الطواغيت، وقد صدق من قال: “أن الاحتلال حوّل بلادنا إلى أكبر مزرعة للأفيون في العالم، أفيون يوزعه على الدنيا بطائراته الحربية والمدنية على هيئة مسحوق الهيروين القاتل والذي يستنزف به طاقات الأمم وثرواتها، وقد دخل محصول الأفيون عصر الانطلاق العظيم بفضل جيوش الاحتلال ولا يستطيع اليوم أحد ضمان أن يتخلى المزارعون عن المخدرات في ربوع البلاد”. وقد أصبحت أفغانستان بسبب هؤلاء الغزاة أكبر منتج لنبات الخشخاش الذي يصنع منه الأفيون والذي هو مكون رئيسي لإنتاج الهيروين.

وكان إنتاج المخدرات قد انخفض كثيراً في عهد الإمارة الإسلامية بعد الحظر الذي فرضته على زراعتها، ولكن بعد الغزو الأمريكي مباشرة ازدهرت زراعة المخدرات، وأصبحت الظروف مواتية لتجارالمخدرات الأفغان، ووجدوا في انتشار الفقر والأمية والأيدي العاملة ووعورة الطريق مناخاً ملائماً لزراعة هذه النبتة، كما ساعدت ظروف أخرى في هذا، من أبرزها: انعدام القانون والتشجيع والحماية التي يوفرها أمراء الحرب -حكام اليوم- بتهيئة المناخ المناسب لتجار المخدرات، مما أدى لازدهار زراعتها وتجارتها ومعالجتها. وتورط في هذا الشأن مسؤلون كبار في الشرطة والجيش والجهاز الإداري إلى أن وصل إلى قمة الجهاز السياسي في بلدنا المحتل، حتى وجّه الاتهام يوماً إلى وزير الداخلية بتهريب المخدرات وإطلاق سراح تجار المخدرات الذين تم ضبطهم.

نحن نستغرب حقاً ممن يقول أن الإمارة الإسلامية تؤيد زراعة المخدرات أو تستفيد من هذه المواد المحرمة شرعاً، وقد أثبتت الأيام أن هذه الزراعة شهدت ازدهاراً كبيراً بعد الغزو الأمريكي للبلاد، كما أنجبت العصابات الخاصة بها، وهذه العصابات تمارس كل شيء، وتضيع جرائمهم بين صمت كبار المسؤولين في الشرطة العميلة والجيش والجهاز الإداري العميلين وبين الرشوة والفساد.

لا شك أن المخدرات طريق الهلاك والدمار، ومشكلة المخدرات من أخطر المشاكل الصحية والاجتماعية والنفسية التي تواجه العالم أجمع، وطبقاً لتقديرات المؤسسات الصحية العالمية، فإن حوالي 800 مليون من البشر يتعاطون المخدرات أو يدمنونها.

وأظهر تقرير الأمم المتحدة والحكومة الأفغانية مؤخراً، أن محصول نبات الأفيون الأفغاني ارتفع بنسبة 36 بالمئة ليصل إلى مستوى قياسي في عام 2013، وقال تقرير صادر عن وزارة مكافحة المخدرات الأفغانية ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة أنه تمت زراعة 209 آلاف هكتار بنبات الأفيون، وهو رقم أعلى من ذروته السابقة عند 193 ألف هكتار في عام 2007، وبلغت المساحة المزروعة من الأفيون في العام الماضي 154 ألف هكتار.

وتشهد زراعة الأفيون زيادة ثابتة في بلادنا منذ عام 2010، وتلقي الأمم المتحدة باللائمة في ذلك على تزايد الانفلات الأمني وعدم الاستقرار السياسي، وتكشف إحصاءات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة عن تعاظم الدور الأفغاني في تجارة المخدرات في العالم، حيث تتصدر المرتبة الأولى عالمياً في زراعة خشخاش الأفيون بما يقدر بنحو 87% من إنتاج العالم كله، وذلك من خلال 154 هكتاراً بزيادة قدرت بـ18% في عام 2012 مقارنة بما كانت عليه في العام السابق. وقد أحرزت بلادنا رقماً قياسياً تاريخياً خلال عام 2014 في زراعة الأفيون، فقد بلغت المساحات المزروعة 224 ألف هكتار بزيادة 7% مقارنة بما كانت عليه في 2013، وقد ارتفع الإنتاج ليصل إلى 6 آلاف و400 طن بزيادة 17%، وفقاً لآخر تقرير نشره مكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجرائم.

وكان الأمريكيون قد أنفقوا 8,7 مليار دولار أي حوالي 4,6 مليار يورو لمكافحة مضادات المخدرات. كما أن مساحات الحقول المزروعة تضاعفت 28 مرة، وهي تنتج بمفردها 10% من أفيون العالم وتصل عائداتها إلى 3 مليارات دولار، حيث يمثل 15% من الإنتاج القومي الخام، ويعمل به 410 آلاف مزارع، أي 5% من القوى العاملة، وعلى الرغم من ملايين الدولارات التي صرفت للقضاء على إنتاج الأفيون في بلدنا، إلا أنها لا تزال من أكبر المنتجين للمخدرات، فقد تربعت على عرش البلدان المنتجة للأفيون في العالم.

إن المخدرات والأفيون الأفغاني ليس للتصدير فحسب، بل للأسف هناك مدمنون للمخدرات والأفيون في البلد. وكل مساء، يجتمع بعض المارة عند جسر يقع غرب كابل ويحملقون في الماء الجاري بالأسفل، في الواقع، لا تتركز أنظارهم حينها على نهر كابل، وإنما على الأجساد المكومة على جانبيه في قلب أكوام القمامة. وبينما يزحف بعض المدمنين الجالسين بالأسفل على أطرافهم الأربعة، يجلس آخرون في حالة ثبات تام، ملتحفين ببطاطين فوق رؤوسهم.

وفي “بول سوخته” في العاصمة كابول، تجتمع الأعداد المتزايدة من مدمني الهيروين لتناول الهيروين عبر السجائر والحقن، ومن وقت لآخر، يسقط بعضهم ميتاً -الأمر الذي غالباً ما يحدث في حضرة جمهور يراقبهم باهتمام- وبينما ينظر بعض الناس إليهم بازدراء، تحمل وجوه البعض الآخر أمارات الشفقة والتعاطف. ومع ازدهار زراعة الأفيون بصورة حادة في أفغانستان التي تحولت إلى إمبراطورية للمخدرات خلال فترة الحرب الأمريكية وارتفعت معها معدلات الإدمان، أصبح من المعتاد وبصورة متزايدة وقوف سكان المدينة لمشاهدة هذه المأساة في بث حي كل يوم .

ومن العسير التوصل لأرقام دقيقة حول أعداد متعاطي الهيروين والأفيون في البلاد. وتشير الإحصاءات إلى أن أفغانستان واحدة من الدول التي يصل فيها تعاطي الأفيون إلى أعلى معدلات بالعالم. بيد أنه في السنوات الأخيرة، قدر مسؤولوا الأمم المتحدة أن قرابة 2.7 في المائة من البالغين في أفغانستان يتعاطون الأفيون، وهو أحد أعلى المعدلات عالمياً، وكشف رئيس جهاز الاستخبارات مؤخراً عن تفشي إدمان المخدرات في عناصر جهازه، ما نتج عنه إقالة 65 موظفاً بعدما تبين إدمانهم لمخدر الهيروين. وتبدو جهود الحكومة العميلة يائسة، إذ لم تفلح في تقويض صناعة المخدرات. وبصورة إجمالية، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أفغانستان بها ما بين 1.3 مليون و1.6 مليون متعاطٍ للمخدرات، نحو 5 في المائة منهم من الأفغان. كما يحتل العالم العربي مكانة بارزة في سوق المخدرات العالمية حيث تقدر نسبة المدمنين على المخدرات فيه بـ10% من إجمالي المدمنين في العالم. وتمثل منطقة الخليج سوقاً جاذبة لمافيا المخدرات الأفغانية، وهو ما دلّ عليه تنامي الكميات المضبوطة من المخدرات الواردة للمملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى عبر المسار البحري الذي يُعد الأكثر تفضيلاً لتجار المخدرات. وارتفع معدل استهلاك المخدرات في المجتمعات الخليجية على نحو خطير، حيث وصل إلى 4.6% مقابل 2.2% فقط في الولايات المتحدة و2.5% في دول أمريكا الجنوبية. في حين لا يعرف حجم المخدرات المصرّفة في الأسواق الخليجية على وجه التحديد. والجدير بالذكر أن تجارة المخدرات تتجاوز 800 مليار دولار، و210 ملايين مدمن جديد سنوياً.

وفي السياق نفسه يقول أحد أعضاء هيئة تحرير «لوس أنجلوس تايمز»: “على مدى العقد الأخير، أنفقت الولايات المتحدة ما يقارب 7.6 مليار دولار لمحاربة تجارة الأفيون الرائجة في أفغانستان، ورغم الاستراتيجية التي اعتمدتها واشنطن للتصدي للتجارة المربحة، وحتى بعد تسجيل السنة الماضية رقماً قياسياً في زراعة نبات الخشخاش، جاء التقرير الصادر عن المفتش الأميركي العام حول أفغانستان ليؤكد فشل تلك الاستراتيجية”.

ويقول جون سوبكو، المفتش العام الأميركي لجهود – مايسمى – إعادة الإعمار في أفغانستان، إن «الرقم القياسي الأخير المسجل في مستويات زراعة الخشخاش بأفغانستان، يشكك في فعالية البرنامج الأميركي لمحاربة المخدرات»، وأضاف سوبكو أن العديد من المناطق الأفغانية التي أعلنت في السابق خلوّها من نبات الخشخاش من قبل مكتب الأمم المتحدة حول المخدرات والجريمة، باتت اليوم تعج بالأفيون، مشيراً إلى أن ولاية ننجرهار التي أعلنت في 2008 خلوّها من زراعة الخشخاش، وكانت حينها نموذجاً ناجحاً للتصدي للآفة، عادت زراعة النبتة فيها بحلول 2013 بقوة لتتضاعف وتيرة زراعتها نحو أربعة أضعاف.

كما لم يفلح الدعم الدولي في مكافحة انتشار زراعة الخشخاش. فقد أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 7 مليارات دولار على جهود مكافحة المخدرات في السنوات الـ 13 الماضية.

ووفقاً للوكالة الأمريكية المسؤولة عن الإشراف على جهود إعادة الإعمار (سيجار) ، فإن تجارة المخدرات تقوض شرعية الحكومة الأفغانية. وقالت ( سيجار) مؤخراً: “مع اتخاذ زراعة (الخشاش) منحى خاطئ، فإنه لا يمكن الاعتقاد بأن معدلات زراعة هذه النبتة ستتراجع في عام 2015”.

لقد حققت إمارة أفغانستان الإسلامية نجاحاً باهراً في منع زراعة هذا النبات المحرم الضار إبّان توليها حكم البلاد، حيث صدر مرسوم أميري بمنع زراعة هذا النبات، فنُفذ في جميع أقطار البلاد فوراً، وقد رأى المجتمع الدولي ذلك بأم عينه، واعترف به العدو قبل الصديق، بخلاف ماهو عليه الحال اليوم، فكل أوامر العملاء حبر على الورق، أو ريح في قفص، حيث لا تقدم أوامرهم ولا تؤخر من الواقع شيئاً، وأحياناً تقوم الحكومة بأداء مسرحية لتخدع بها العالم، وتجني المليارات من المساعدات القادمة لمكافحة المخدرات من الدول والحكومات الغربية والتي تصب في جيوب المسؤولين العملاء.

نحن لا نلوم الحكومات العميلة، فهي كالعبد الكلّ على مولاه، أينما يوجهه لايأتي بخير، ولكن نتساءل ماذا حققت أمريكا والغرب مع خبرتهم الواسعة وتقنيتهم الفائقة؟ هل استطاعوا القضاء على المخدرات في البلد المحتل؟ هل استطاعوا أن يضعوا حدا لتزايد الجرائم الناشئة منها؟ وهل يُرجى أو يُتوقع من المجرمين مكافحة ذلك؟ كلا وحاشا.