بنيان الاحتلال على شفا جُرُفٍ هَارٍ .. فهل يعود عملاؤه إلى رشدهم ؟!

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وهزيمته النكراء على يد المجاهدين الأبطال، ظهرت الولايات المتحدة الأمريكية على الساحة العالمية، ورأى القادة الأمريكيون أن الميادين مفتوحة لهم، وأن كلمتهم مسموعة في كل أمر، وأنه لا يوجد خصم منافس لهم، لا في الشرق، ولا في الغرب. وزعم الأوربيون جميعا، أن الدور دورهم، ولهم أن يحققوا طموحاتهم الصليبية التي كانوا يحلمون بها منذ قرون وأن ينتقموا من الأمة المسلمة.

إن الإسلام كحضارة لها قيمها الأخلاقية، ومبادئها للحياة البشرية، ورؤيتها للحياة، رؤية شاملة جامعة، تهتم بحاجات الجسد كما تهتم بحاجات الروح، وتحمل معها التعاليم لكل سكنة وحركة في حياة الإنسان. وهذا الدين يتضاد مع القيم الغربية الفاسدة التي لا تتعدى اللذة والشهوة ولا تتعدى المادة والمعدة!. فمن الطبيعي أن يبدأ صراع بين الدين الإسلامي والحضارة الغربية، وبين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية، خاصة بعدما شهد العالم في السنوات الأخيرة ظاهرة انتشار الدين الإسلامي في الغرب ودول إفريقية وآسيوية، بشكل مذهل أخاف القادة الأمريكيين وحملهم على أن يبدأوا في التفكير – وإن كانت الطرق ممهدة أمامهم الآن بعد هزيمة الروس والميادين مفتوحة لنزواتهم وجولاتهم- إلى أن هناك خطر آخر يهددهم ويهدد قيادتهم وحضارتهم المادية ألا وهو الإسلام الذي قاد العالم لقرون طويلة.

فكّر قادة الفكر الغربي العلماني بأنه لابد من فعل شيء للتصدي لهذا التهديد، والقضاء على هذا الخصم المحتمل في أسرع وقت ممكن، قبل أن يقع الفأس في الرأس.

 هكذا توهم القادة الأمريكيون ومن معهم من العملاء والبسطاء والمغررين بهتافاتهم من أبناء الأمة الإسلامية، فأنفقوا أموالاً ضخمة لقمع الصحوة الإسلامية، واحتواء المراكز الفكرية والثقافية في العالم الإسلامي، والسيطرة على التعليم الديني الذي ينفخ روح الجهاد وروح الحياة الإسلامية في قلوب الشباب المسلم. هذه الأوهام هي التي حملت الولايات المتحدة الأمريكية على شنّ حرب على أفغانستان، وبهذه الأوهام برّرت الولايات المتحدة وحلفائها ارتكابهم للمجازر بحق الشعب الأفغاني. فمنذ أربعة عشر سنة وهؤلاء يعيثون في أفغانستان تجبراً وفساداً، ويتحكمون في مصير شعبها ويتلاعبون بقيمهم الدينية والإسلامية.

الولايات المتحدة والدول الغربية في الحقيقة لا يقاتلون الشعب الأفغاني لأنه شعب أفغاني، ولا يحتلون أفغانستان لأنها بلد مليء بالثروات؛ بل حربهم في الحقيقة على الدين الإسلامي؛ إنهم أعداء ألداء لاستقلال المسلمين، وعيشهم بحرية في بلدانهم. فهم يخشون من أن يتحول المسلمون إلى قوة إقليمية عظيمة مؤثرة في المستوى العالمي، وأن يكونوا موانع وعراقيل في طريق أهدافهم التسلطية، وشهوات وملذاتهم المادية.

كذلك هذه الدول خائفة من أن تبرز على الساحة العالمية نماذج جديدة من الدول والحكومات التي تستلهم قيمها وأساليبها من التعاليم الحضارية للشريعة الإسلامية. وهي خائفة من أن تعود العزة والسيادة والقيادة إلى المسلمين بعد قرون فتتحدى القيم الغربية الفاسدة والنماذج الباطلة في الحكم والإدارة للأنظمة العميلة في العالم الإسلامي.

فأعداء الأمة خائفون اليوم من أن تستعيد هذه الأمة عزتها ومجدها وسيادتها على العالم من جديد، وتتصدى لطموحات الغرب المادية واحتكاراته العسكرية والاقتصادية.

 لكن ما يؤلم كل مسلم، وما يؤلم ضمير كل حر، أن يساير بعض البسطاء من أبناء الأمة الاسلامية العفريت الأمريكي في عدوانه على البلاد الإسلامية، رغم معرفتهم بأن الهدف الحقيقي للأمريكان وحلفائهم من كل عدوان واحتلال، هو تثبيت سيطرتهم وضمان أمن الكيان الصهيوني المحتل الذي نشأ وترعرع بدعمهم، ونهب الثروات، واختبار التسليحات الجديدة، وإنقاذ بعض الأنظمة المستبدة والعميلة من الانهيار. وهدفهم من كل تلك الجهود والنفقات والأموال، أن ينفخوا روح اليأس والإحباط في الأجيال الشابة من أبناء الأمة المسلمة، وأن يفرضوا عليهم أفكارهم الباطلة وقيمهم الفاسدة وثقافتهم المادية المنحطة.

 

في مثل هذه الأوضاع والظروف التي بدأت الصحوة الإسلامية تعبر القارات، وبدأت قلوب الشباب تميل نحو الدين الإسلامي وحاكمية هذا الدين في كافة جوانب الحياة، ينبغي على كل من يقف في قافلة الحضارة الغربية اللادينية من القادة والزعماء ومن المغررين من أبناء هذه الأمة أن يعودوا أولاً إلى رشدهم وعقلهم، ثم يعودوا إلى دينهم الحق عودة صادقة خالصة، وأن يتناسوا المنظمات التي تدّعي الحياد من الأمم المتحدة ومجلس الأمن والقوى العظمى الاستكبارية وحلولهم وخططهم ومخططاتهم الاستعمارية، وأن يفكروا في تقوية علاقتهم وصلتهم بهذا الدين وبشعوبهم المؤمنة. وليعلموا جيداً أن هذه الشعوب المؤمنة إذا أخذتها الحمية الدينية والغيرة الإسلامية وعزمت على طردهم  بسبب عمالتهم، فلن يجدوا ملجأ عند دولة ولا قوة من دول العالم، وسيكونون حينئذ مخذولين غير منصورين في الدنيا والآخرة. فهل ينتهي عملاء الأمريكان في أفغانستان عن عمالتهم؟ وهل يعودون إلى رشدهم قبل أن يُطردوا ويُهانوا كما طُرد عملاء الاتحاد السوفياتي من قبل؟ “إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون”.