بِتلْکَ ال‍دِّماءِ الطَّاهِرَةِ !!!

بسم الله الرحمن الرحیم
الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على الرسول الأمين وعلى جميع الصحابة أجمعين وبعد: قال الله تعالى: {الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب}.
بتلك الدماء الطاهرة التي لا تعرف أبدانها الآثام، نسير نحو الهدف المقدس، وفي بحر مثلها بل أطهر منها وصلتنا رسالة الإسلام، وفيها نبلغها إلى الآخرين، ومن شواطئها ندافع عن الأراضي الإسلامية المقدسة المحتلة.
دماء ترقرق من أبدان زكية أصفى من اللؤلؤ وأعلى همة من البازي، النفوس التي لا تعرف في فضائها النقي إلا الله والرسول والجنة، والتضحية لأجلها، نفوس صغيرة الحجم كبيرة العزائم، أكثرهم ما بين السادس والعشرين أو الثاني والعشرين من الأعمار، أخذوا الإلهام من طبيعة الكون، من النواميس الفطرية التي تصحب كل أحد، فلا حثهم عالم، ولا درّبهم مُعلّم، ولا صحبهم مجاهد، إنما أُلهِموا من عند الله، ففهموا الهدف، وساروا نحوه، فمن الله نهضوا ولأجله ضحوا بالأجسام الغالية من الذهب، بل ومن كل جوهر ثمين يعرفه العالم.
{إنهم فتية آمنوا بربهم وزِدناهم هدى، وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض، لن ندعو من دونه إله، لقد قلنا إذا شططا}
قد أودع الله في كتابه المتين، قصة أصحاب الكهف والرقيم، وأجاء في أثناء القصة بإشارات توحي إلى أنها من عند الله، وهو قادر أن يربط مرة ثانية وثالثة ورابعة و خامسة على قلوب الآخرين، فيقومون أمام الكفرة والطواغيت ويقولون: ربنا ورب السموات والأرض، لن ندعو من دونه إله.
والله تعالى أوضح لمن يسير على درب أصحاب الرقيم، بأنه حافظهم و ناصرهم، بطرق لا يخطر بقلب بشر، فإن هو قتل فالله يحفظه من آلام الموت وأنه ليس أول قتيل فقد قتل أصحاب الأخدود وقد قتلت الصحابة، والجنة أعلى من أن يحس في طلبه الآلام، وإن هاجر فالله يُبَوِّئُه مسكنا وعيشا حسنا، وليس هو أول مهاجر فقد هاجر إبراهيم وموسى وهاجر محمد صلى الله عليهم وسلم، وإن هو اعتقل فالله يجزيه جزاء سينسى بأول رؤيته كل مكروه ناله في سبيل الله، وقد سجن يوسف، والله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون.
لعل الله يقيض عبدا من عباده لكتابة تاريخ هذا الركب المبارك، ركب الفدائيين والشباب المجاهدين، وخاصة الذين يخوضون أبابيلَ على معاقل الكفر والإلحاد، وسوف يكون هذا الكاتب أكبر كاتب وأعظم مؤرخ يكتب تاريخ أفضل المؤمنين بعد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وإني قد جئتكم في هذه المقالة، بأخبار بعض هذه اليواقيت ركب الجهاد والفداء وخاطبي الحور العين، وإن هذه القصص سوف يزيدنا إيمانا وسوف يربطنا بتلك الصفوف الطاهرة النيرة، إن شاء الله تعالى.
خبر فهيم:
ذات مرة خرجنا للرمي إلى جبل قريب، وكنا نرمي حجرة بين الصخور الناتئة في سفح جبل باذخ شامخ مشرف على الوادي، إذ سمعنا خشفة رجل، و خرير ماء، في أعلى الوادي، فرئينا غلاما معه مجرفة يجري المياه بين الأشجار الواقعة في أطراف الوادي، فدعوناه وأخذ البندقية كأنه جندي مدرب، ورمى الهدف بأول طلقة قائما وبالثانية كذلك، فعجبنا له ولصغره ومن إصابته الهدف وهو قائم.
كان هذا الغلام يسمى فهيم، فتركناه ونزلنا من الجبل، ثم أصبح فهيم مجاهدا بارزا وشابا متفوقا على أقرانه، كان يدرس في المدرسة العالية ثم في دار المعلمين وهو منضم إلى المجاهدين، وكان جوادا كثير الضيافة للمجاهدين، سألته يوما: كيف إخوانك معك، هل هم راضون عن عملك وعن هؤلاء الضيوف الكثيرة الذين يردون بيتك، قال: نعم والحمد لله، هم راضون، ويأتون إلى البيت بطعام كثير على ضعفي ما كانوا يأتون به قبل علاقتي بالمجاهدين، وفي عام ۱۴۳۲هـ سألته مرة: هل رئيت رؤيا عجيبة، وهل رئيت المصطفى صلى الله عليه وسلم في المنام؟ قال نعم: رئيت ذات ليلة، كأني أمام مسجد الحي، وحيهم واقع على سفح جبل في (كهنه خمار، ميدان شهر،) فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه عمامة سوداء، من قبل الجبل، فصافحته وقمت معه، فقلت له: ألا تأتي إلى بيتنا يا رسول الله، تأكل طعاما! قال: لا، عندي عمل، ثم ودعني، وفي الوداع، ضرب بلطف في صدري وقال لي: (كوشش كوه) أي: اجتهد. و قد اجتهد فهيم. فك الله أسره وحفظه.
أخبار عبد الرحمن:
قبل أيام كنت في زيارة بعض الإخوة في منطقتنا في الليلة الثامن عشرة من ذي الحجة ۱۴۳۳هـ كنا نسمر وكان في المجلس شاب حسن الهيئة، يرى عليه الوقار والسكينة، كان يسمع بأدب ويتكلم بوقار وأدب، قال المضيفون: إنه طالب، يدرس معنا، فلما انتهى المجلس وبقيت أنا و هذا الشاب في الغرفة، وأخذنا مضاجعنا للاستراحة، بدأ الكلام، فعرفت أنه: عبد الرحمن “نعمان”، من ترينكوت أوروزجان، وهو مسؤول العمليات في عاصمة الولاية ترينكوت، وكان ذا عبادة كثيرة، أثنى عليه شيخه، ورأيته في منتصف الليل يتهجد بخشوع وكان يؤدي صلاة التسبيح كل ليلة.
رؤيا عبد الرحمن:
قال عبد الرحمن: قبل خمس سنوات تقريبا، كنت معتكفا في مسجد الحي في ترينكوت ، وكنت فتى ما نبتت لي لحية، في السابع عشرة من عمري، و في الليلة السابع عشرة من رمضان، رئيت في المنام، كأن جميع الأحاديث، أحاديث المشكاة والبخاري مكتوبة في الفضاء، وكان مطيع الله كبير المرتدين في ترينكوت، يسب هذه الأحاديث ويمسها بسوء، فقمت إليه و جعلت أضربه بالأوكاز على فيه أي فمه، قال: كنت كلما أضربه ينفذ وكزي في فيه، فجاء رجل حسن الهيئة وقال لي: لا تضربهم بالأوكاز، اذهب إلى هذه الغرفة، فإن فيها أخشاب خذها واضربهم بها، قال: فدخلت إلى تلك الغرفة، فوجدت فيها رجالا آخرين يضربون مطيع الله وأصحابه، فشاركتهم في الضرب.
قال: كنت فاقد الرُّوع إلى الليلة القادمة، قد ربطني أصدقائي، وفي الليلة الثامن والعشرين، رأيت في المنام رجلا مثله حسن الهيئة والصورة، جاء إلي وأعطاني في يميني سورة يس (ياسين) وفي يساري سلاحا من نوع pk الأفغان يسمونه “پيکا”، أعطاني هذا السلاح وسورة يس وقال لي: انهض وجاهد في سوق ترينكوت.
أول عملية عبد الرحمن:
قال: فأعطاني تاجر هناك مأة ألف روبية وقال لي لا تخبرن أحدا، قلت نعم، فأخبرت أصدقائي الفتية، بالمائة الألف ففرحوا كثيرا، وكلنا جدد، ما نبتت لأحدنا لحية، جئنا جميعا إلى السوق واشترينا دراجتين، ثم شاورنا في ما بيننا في الخطة لنيل السلاح.
قال: فذهبت أنا إلى صديق لي يبيع السيارات، فقلت: أريد سيارة أذهب بها إلى أحد الأصدقاء لعله يشتريها، فأعطاني مفتاح سيارة، فسقتها إلى السوق، و قد أرسلنا أحد الشباب إلى السوق، فذهب وقام هناك مع مطيع الله كبير المرتدين، وكان يعرفه من قبل، ثم فارقه وابتعد منه، أرى الشرطة فقط أنه يعرف مطيع الله، قال: فلما وصلت إلى السوق، أوقفت السيارة قريبا من صديقي، ونزلت منها، فلما رآني، جاء نحوي ومعه رجل من الشرطة، وقال للشرطي: هذا قد أخذ مني بطارية ولا يردها إلي، قال، فاختصمنا وكان الشرطي ينظر، ثم قلت له: اركب معي، أعطيك بطاريتك من البيت، فقال للشرطي، اصحبنا لأني أخاف عليه الكذب والغدر، قال: فركب وركب الشرطي أيضا، وفي الطريق كان شابان آخران أوقفت لهما السيارة، ومباشرة اختصما معي، و طلبوا مني شيئا أخذته منهما، فقلت لهما: اركبا معي فإننا نذهب إلى البيت، أعطيكما أمانتكما من البيت، فركبوا أيضا، فلما ابتعدنا من السوق، سقت السيارة إلى سكة هناك، وقلت هنا بيتي، فلما مالت السيارة من الشارع، خنقوا الشرطي وأخذنا
سلاحه.
صورة عجيبة من نصر الله عبدَ الرحمن:
قال عبد الرحمن: ذات مرة جاء عين العدو (الجاسوس) مع صديق لنا مجاهد، فقال: هذا رجل له صلة برجال مركز الشرطة في مكان فلان، و إنه يريد الفتك (القتل) بالموجودين في مركز الشرطة، وهو يحتاج إلى سلاح ودراجة نارية، فقال الرجل: نعم لي صلة، وإني أريد أن تعطوني رشاشا ودراجة نارية، و تأتوا أنتم خلفي، وتجلسوا في مكان بعيد من مركز الشرطة، فأدخل عليهم، فإذا قتلتهم، أتصل بكم فتأتون وتجمعون الغنائم، قال عبد الرحمن: فواعدته غدا، فرأيت في المنام، رجلا كهولا له لحية بيضاء يؤذن فوق سطح، فدنوت إليه، فقال لي: تُقتل غدا، قلت: من يقتلني؟ قال: الذي وعدته اليوم، إنه جاسوس وهو عين المحتلين، إن ذهبت إليه يقتلك، وإنه يظهر لك أنه لا يملك سلاحا و إنه يملك رشاشا يحمله معه في دراجته، وكانت دراجته واقفة في مكان هناك، فكشف الثوب عن دراجته وأراني رشاشه، قال عبد الرحمن: فأخذته و نظرت فيه فإذا هو معوج لا يمكن أن تخرج منه رصاصات. قال عبد الرحمن: فلما أصبحت: ذهبت إلى ذلك المكان، فوجدت الدراجة واقفة على تلك الصفة التي أرانيها الرجل بالبارحة، وكان الرجل داخل الغرفة، فكشفت عنه الثوب، فإذا تحت الثوب رشاش. فألقيت الثوب عليه وذهبت، وهكذا نجانا الله العزيز من كيد الأعداء.
مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في المنام:
قال عبد الرحمن: كنت معتكفا في أحد المساجد في رمضان الماضي 1433هـ ذات ليلة رأيت في المنام، مياها بيضاء كثيرة تأتي من قبل القبلة، قال: فسرت إلى ناحية المياه، فرئيت رابية عالية فوقها خيمة، وفي الخيمة رجل كأنه أعرابي، فكنت معه في تلك الخيمة، إذ جاءت سيارة تحمل شبابا حسانا، مرت السيارة نحو القبلة، قال: فسألت صاحب الخيمة عن أصحاب السيارة، فقال: إنهم صحابة رسول الله (صلى الله عليه ورضي عنهم)، فتركتُ الرجل، وذهبت خلف السيارة في داخل الوادي نحو القبلة، وإني لماش خلفهم، إذ رأيت السيارة قد عادت، فلما وصلوا قريبا مني، نزلوا من السيارة، و دخلوا إلى حديقة كانت هناك، وكانت في داخل الحديقة دار، فأشار شاب من أكبر هؤلاء الشباب إلى هذه الدار وقال: لو كنا هنا، ما ظلم أحد في هذه الدار. قال عبد الرحمن: ثم جئت إلى المسجد الذي كنت فيه، فرأيت رجلا حسن الهيئة جالسا في المسجد على هيئة التشهد، قال فجلست أمامه، فقال لي: ادن مني لأمسح لك صدرك، قال فدنوت، فسمح صدري و قرأ عليه شيئا، ثم قال لي: سأمسحه لك مرتين أيضا. قال: ثم قمت منه، فرئيت رجلين يقرئان الصحيح للإمام البخاري، فسألتهما عن الرجل الجالس، فقالا: إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نجاته من يد الأعداء:
قال عبد الرحمن: ومرة كنت على الدراجة يردفني صديق لي مجاهد: فكنا نمشي، إذ وقفت سيارة المرتدين في جنبي و قالوا: قف ولا تتحرك، ووضع كبيرهم مسدسه على رأسي والآخرون شهروا السلاح علينا، فأراد صديقي أن ينزل من الدراجة، فحركته بمنكبي وأشرت إليه بأن لا ينزل، قال: فسقت الدراجة، وأطلقوا علينا نيرانا كثيرا لكن الله نجانا منهم.
ومرة أخرى، كنت أسير على دراجتي وكنتُ وحيدا، فمررت أمام مركز شرطة، فأطلقوا رصاصة خلفي، فأوقفت الدراجة، وقلت: من تريدون؟ فقالوا: نريدك أنت، قال: فنزلت من الدراجة، فاجتمعوا حولي، وعرفني واحد منهم، قال: فكنا كذلك، فكأن أحدا أخذني من بينهم و طردني بعيدا منهم، قال: فأطلقوا خلفي نيرانا كبيرا، وكان طريقي في فلاة قراح ليس فيها حجر و لا جدار، وكانوا اثنا عشر او ثلاثة عشر رجلا، وجميعهم أطلقوا النيران، لكن الله نجاني منهم.
قال عبد الرحمن: قد قال خالد بن الوليد رضي الله عنه للجبناء بأن الموت ليس في الجهاد. حفظ الله عبد الرحمن و أصحابه، و رزقه علما نافعا، آمين.
أنوار شريف الله الاستشهادي:
في عام 1429هـ قدم إلى مدينة ميدان استشهادي يسمى شريف الله، وكان شابا في الخامس عشرة أو السادس عشرة من عمره، قال أحد المجاهدين اسمه القاري شاه محمد قد بات معه شريف الله: ذات ليلة نزلنا إلى الشارع لعملية جهادية، وتركنا شريف الله في البيت، فلما عدنا من العملية، جئت إلى البيت، وإني لخارج البيت، إذ رأيت أنوارا كثيرة في غرفة شريف الله، قال: فحزنت كثيرا، وقلت في نفسي إنه ما نام حتى الآن لذلك لم يطفئ السراج، قال: فلما فُتح لي باب البيت، صعدت مباشرة إلى غرفة شريف الله، فوجدته نائما والسراج مطفئ وقد فقدت الأنوار، قال: لمست السراج فإذا هو بارد كأنه طفئ من قبل.
قال القاري شاه محمد: فعرفت أن الأنوار كانت من عند الله. تقبله الله.
مثل هذه النفوس الزكية الطاهرة هم أصول الجهاد الجاري، وفي فلكهم يسبح النصر والفتح، وهم أصل الإمارة الإسلامية بل أصل الأمة الإسلامية في كل مكان.
إن الجهات المشاركة في الجهاد مع الدب الأحمر كانت مختلفة،  كانت هناك أيادي خفية وظاهرة لأمم كثيرة في العالم مع المجاهدين، فكانت النتيجة مشوبة بأشياء مضرة للأمة والشعب الأفغاني، وأما الجهاد الجاري فخالص من جميع الشوائب، سائر العالم في صف وجنود التوحيد والإسلام في صف آخر، وأكثرهم وأشد منهم نكبة وأثرا في الأعداء – الشباب الذين لم يبلغوا إلى الأعمار الكبيرة و الأطماع البعيدة، فأكثرهم شباب تركوا الدنيا ولا يعرفون منها إلا السلاح ومواضع الكمائن والاستشهاد، يريدون وجه الله والزواج مع الحور العين، وإتمام ما عاهدوا مع الله، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
فسوف يكون النصر الآتي والفتح القريب، أكثر صفاء وبركة من الأول، وسوف تكون الحكومة الإسلامية القادمة، حكومة إسلامية خالصة، نقية من النفاق والخلاف.
إن شاء الله تعالى. لأن الله لا يضيع أجر المحسنين.