جيل النّصر والتمكين

أبو محمد البلوشي

 

الحمد لله الّذي بعزّته وجلاله تتمّ الصالحات، يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، الحمدلله الذي جعلنا في عداد الفاتحين، والصلاة والسلام على القائد الأمين، وعلى آله وأصحابه الغرّ الميامين. أما بعد:

لم يكن أيّ مجاهد من مجاهدي الإمارة الإسلامية الذين خرجوا من بيوتهم وامتشقوا أسيافهم مجاهدين ومرابطين ومثابرين، وناذرين حياتهم لله تعالى، يشكّون قيد أنملة في مجيء النّصر المبين، وفتح كابول في يومٍ من الأيام وهروب المحتلين وهزيمة أذنابهم العملاء. وكان معظم الإخوة -إن لم نقلْ جميعهم- يعدون أنفسهم في عداد جيل التضحية والفداء والشهداء، نظرًا إلى ضعف المجاهدين وقلّتهم وبساطة مقدراتهم وآلياتهم.

كان هؤلاء الطلبة قد جمعوا بين جهاد النّفس وجهاد العدوّ، والحمية الدينية والغيرة الإسلامية، وفي يدهم قرآن ومصحف، وفي الأخرى سيف مصلت على رقاب الأعداء، رهبان ليل وفرسان نهار، يفاوضونهم في الخارج على الخروج، ويدكون حصونهم وقلاعهم بالمفخخات والعمليات الاستشهادية والانغماسية في الداخل، جمعوا بين العقل السليم والعاطفة الجيّاشة، وكم استعطفهم الأعداء ودعوهم إلى إيقاف العمليات البطولية أثناء المفاوضات؛ إلا أنّ المفخخات والعمليات الانغماسية البطولية كانت على قدمٍ وساق، لم تتوقف في يومٍ من الأيام حتى أثمرتْ جهودهم ولله الحمد، وهرب العدوّ مرتبكًا مرتعدًا، يجرّ أذيال الهزيمة والعالم يشهد خزيهم وجبنهم وخورهم. وعلى عكس ذلك تمامًا؛ دخل المجاهدون فاتحين شامخين ساجدين تالين آيات الفتح والنّصر والتمكين، كي يصنعوا تاريخًا مشرقًا من مجد أمة الإسلام في زمنٍ ماتت فيه الضمائر وسيطر فيه اليأس والقنوط على أبناء الأمة في مشارق الأرض ومغاربها.

وهكذا أوفى الله سبحانه وتعالى بعهده ووعده عندما قال: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون)، قال الإمام القرطبي رحمه الله: وهكذا كان الصحابة مستضعفين خائفين، ثم إن الله تعالى أمنهم ومكنهم وملكهم، فصح أن الآية عامة لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- غير مخصوصة؛ إذ التخصيص لا يكون إلا بخبر ممن يجب التسليم، ومن الأصل المعلوم التمسك بالعموم. وجاء في معنى تبديل خوفهم بالأمن أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما قال أصحابه: أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال: عليه السلام: لا تلبثون إلا قليلا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس عليه حديدة. وقال: صلى الله عليه وسلم: والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون. خرجه مسلم في صحيحه؛ فكان كما أخبر صلى الله عليه وسلم. فالآية معجزة النبوة؛ لأنها إخبار عما سيكون فكان. انتهى كلامه.

وبعد سيطرة الإمارة الإسلامية على أفغانستان، قضي على الفساد المستشري في البلاد تمامًا، وهذا ما أعاد إلى الأذهان حلم المدينة الفاضلة العادلة الذي كان يراود خيال علماء الفلسفة والسياسة في أروبا قديمًا وحديثًا. ولكن لم يدّعي أمراء الإمارة الإسلامية في يوم من الأيام أنهم وراء مدينة فاضلة خيالية، ولم يشغلوا أنفسهم في بحث قضية المدينة الفاضلة التي ظلّت حلمًا يراود العالم الغربي، بل أمم العالم كله، بل نهجوا وحذوا حذو الحكومة الإسلامية المستمدّة من الكتاب والسنة ساعين إلى الالتزام بسياسة الخلافة الرّاشدة، والإمامة العادلة التي تقتفي آثار دولة النبوة العادلة. وليسوا بمعصومين ولكنهم يبذلون جهدهم أن يكونوا على هدي النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم.