ذكريات أسير في باغرام

إشارة: قامت الولايات المتحدة عقب عملياتها العسكرية الشاملة في أفغانستان بتشييد العديد من السجون لاعتقال من وصفتهم بـ”الإرهابيين”، خاصة أعضاء الإمارة الإسلامية، ومن أبرز هذه السجون “باغرام” الواقع على بعد 50 كيلومترا شمالي العاصمة كابل، لقد شيّده الأمريكيون عام 2002 داخل قاعدة باغرام الجوية، ويضم 120 زنزانة. إن هذا السجن -الذي كانت تديره وكالة الاستخبارات […]

إشارة:

قامت الولايات المتحدة عقب عملياتها العسكرية الشاملة في أفغانستان بتشييد العديد من السجون لاعتقال من وصفتهم بـ”الإرهابيين”، خاصة أعضاء الإمارة الإسلامية، ومن أبرز هذه السجون “باغرام” الواقع على بعد 50 كيلومترا شمالي العاصمة كابل، لقد شيّده الأمريكيون عام 2002 داخل قاعدة باغرام الجوية، ويضم 120 زنزانة.

إن هذا السجن -الذي كانت تديره وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” (CIA)- شهد اعتقال آلاف المواطنين الأفغان المنتمين إلى الإمارة الإسلامية والمحبين لها بمزاعم مختلفة، حيث تعرّضوا فيه للتحقيق والتعذيب بشتى الوسائل، إلى أن بات يعرف بـ”غوانتانامو أفغانستان”.

وفيما يلي ذكريات أحد سجناء هذه الزنازين السود، يروي لنا مشاهداته التي تصوّر لنا وللعالم حقيقة أكذوبة الديموقراطية وحقوق الإنسان التي ينادي بها قادة الغرب ويروّجون لها:

 

ذكريات سجين في باغرام

الراوي: صدام بهير

الاعتقال:

وصلت عند المغرب متأخرا كالعادة، كنت متعبا جدا، تركت الحقيبة والكتب جانباً. لم أكن أشتهي الطعام، فقد جعلني التدريس أيضًا أشعر بالصداع. كان شقيقاي الأصغران قدما إلى كابول أيضا، صليت عشاء ذلك اليوم، وكنت حزينًا بعض الشيء، وصلني نبأ عن صديقي القديم في المعركة أنه تم اعتقاله في ولاية مزار؛ وكانوا قد نفذوا عملية استشهادية ضد الثكنة العسكرية في ولاية مزار، وقد استشهد جميع المنفذين للعملية، ولم ينج إلا معاذ حيث تم أسره واعتقاله، كان معاذ من سكان مركز ولاية لغمان.

كانت الليلة شتوية وباردة، فتمددت بجانب كرسي التدفئة (نوع من السرير تشغل تحته مدفأة وتُستخدم في الشتاء في المقاطعات الباردة في أفغانستان)، غشيني النوم بعد بضع دقائق. كنت أحلم أن قوات الكوماندوز داهمت غرفتي وحاصرتها واقترب أحد أفرادها من البوّابة الزجاجية وركلها بقوّة.

فجأة قرع باب البيت في عالم الحقيقة، وعندما استيقظت، رأيت نفسي محاصرًا بالفعل. دخل ضباط الأمن غرفتي بسرعة كبيرة ووقفوا فوق رأسي، وأمسكوني من شعري وألقوني باتجاه البوابة. كان خمسة أو ستة جنود يسلمونني لبعضهم البعض ويصفعوني. أجبروني على الوقوف خارج المنزل في الطقس البارد. كان الوالد ينظر إلي في حيرة؛ ورأيت آثار الحزن على وجهه، لقد تغلب عليه الخوف، لم يستطع تحمل سلوكهم الوحشي تجاهي، لكن من حسن الحظ أنهم أبعدوني عن عيون والدي سريعا، وبعد ذلك أحضروا هاتفي وقالوا: لمن هذا؟ قلت: هو لي.

أدار الضابط وجهه وقال: لقد حققنا الهدف؛ ثم أغمضوا عيني وعندما أمسك شخصان بكتفي، قالا: “أوه، لقد أيقظتنا يا أفغاني في منتصف هذا الليل…”. لم أقل شيئًا وبدأت أمشي معهم، كانت يداي مكبلتين بالأغلال، ولم أتمكن من المشي بشكل صحيح على الأرض. كان ضباط الأمن يسخرون مني ويقولون كاذبين: إن هناك ماء أمامك، ارفع قدميك، وكان الجميع يضحكون بهذا الكلام.

عندما وصلت إلى السيارة، لم أكن أعرف كيف أصعد، فعندما رفعت ساقي، ضربوني من الخلف وسقطت عليها، فغضب أحد الجنود وشتم الجندي الآخر وقال: “هذا الشخص عالم دين” وتشاجرا حول هذه القضية. الجندي الذي دعمني كان يطمئنني حتى النهاية. جزاه الله خيرا، يبدو أنه كان يملك شيئا من الغيرة الأفغانية.

عندما وصلنا إلى مديرية صفر واحد (01)، كانت الساعة قد تجاوزت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، أيقظوا النائب العام، وكان ينبح مثل الكلب، وكان غاضبا جدا. كانت عيناي معصوبتين. فمن البداية بدأ يصفعني، وقال للجندي: “اذهب به، سنتحدث معه في الصباح”. لقد جعلت الأصفاد يدي ملطختين بالدماء. أخذوني إلى غرفة لم يكن فيها إلا كرسي. ولم استطع النوم، وكيف يمكن النوم على الكرسي؟!

فجلست على الكرسي، وكانت المدفأة اليابانية مشتغلة أمامي، وكانت حلقة السوار البلاستيكي تضيق في يدي، وضعت رأسي في الزاوية، كنت قلقا أنتظر المستقبل المرير، وكان يظهر ضوء ضعيف من النافذة، فقلت للجندي: أريد أن أصلي. ذهب ليطلب الإذن، ولكن عندما عاد، قال إن القائد لا يأذن بذلك، فانتظرت لفترة أطول قليلا. وربما أشرقت الشمس وعندما دخل شخص ما إلى الغرفة، ورآني طلب من الجندي أن يغمض عيني. فتقدم الجندي بوجه غاضب، وسحب البلاستيك الأسود على رأسي، ودون أن يقول أي شيء، رفع الكيس عن وجهي وقال: هل تقاتل ضدنا؟! لم يزل أثر الصفعة السابقة على وجهي، حتى ضربني أخرى على وجهي. ثم تركوني. وكانوا يضربون رأس الشخص الذي كان شريكاً في قضيتي حتى سال الدم من أنفه. قال الجندي هذا يكفي، أدار النائب العام وجهه وقال: دعنا نشرب الشاي مرة واحدة.

لقد غادروا وانتظرنا في غرفتنا. ماذا علينا أن نفعل؟! كنا كالأيتام الذين ينتظرون لقمة طعام، قد يجد الأيتام الطعام ممتعًا ويأكلونه بلذة، لكن لم تكن لدينا أي قوة ولم نكن قادرين على فعل أي شيء.

 

في غرفة التحقيق:

ومع صوت فتح البوابة، دخل الغرفة رجل ذو لحية، شعرت بشيء من السرور في قلبي وقلت لنفسي ربما نرتاح قليلاً، لكن ظني كان خاطئا. لقد مارس هذا الطاغية قسوة جعلتني أشعر بأنه صهيوني مجرم، حيث وقف أمام الكرسي الذي كنت جالسا عليه، وصفعني مرة بعد أخرى ثم ركلني أخيرًا، تاركًا أثر حذائه على وجهي. لقد سقطت من على الكرسي، وكانت يدي تؤلمني، وكانت الأصفاد البلاستيكية في يدي ضيقة للغاية، فقلت له: يدي تؤلمني، لكنه ركل يدي مرة أخرى، ثم أمر الجندي أن يرفعني من الأرض!

تقدم الجندي وأمسك بكتفي ورفعني. لم أتمكن من الكلام بسبب الألم في يدي، فأشرت لهم بفتح الأصفاد. قطع الجندي أصفادي البلاستيكية بساطوره. شعر جسدي كله بالراحة، وكانت نفسي منقطعة بسبب الصفعات المتتالية التي لم نكن نهتم بها كثيرًا أيضًا. جاء النائب العام مرة أخرى، وسجل أسماءنا ثم خرج.

سأل الجندي هل تأكل البيض أو الزبدة على الفطور؟ قلنا: كما تريد! ضحك وقال: انتظر. وبعد مرور بعض الوقت، عاد وطلب منا القيام. أخذونا في السيارة العسكرية، واتجهوا بنا نحو باغرام. ساد الصمت المكان كله، وكنا نسمع من بعيد نباح الكلاب فقط.

عندما دخلنا ساحة السجن كنا ننتظر في غرفة مغلقة وشعرنا بدخول بعض الأشخاص إلى الغرفة، وعندما فتحوا أعيننا رأينا أنهم أمريكيون، في البداية، بدأوا بإجراء البصمات البيومترية علينا، ثمّ حلقوا رؤوسنا، وقاموا أيضا بفتح الأغلال والأصفاد. كنا نعيش في غرفة مساحتها متران متأملين بمستقبل أفضل، كان الأمر غريبًا حقًا! في هذه الغرفة التي تبلغ مساحتها مترين، كنا ننام ونأكل ونتوضأ ونقضي حوائجنا ونصلي، والأمر الأكثر غرابة هو أنهم كانوا يراقبوننا من خلال كاميرات المراقبة. كان محرجا جدا!

إن باغرام شاهد على الرعب والوحشية التي تخجل أمامها الإنسانية. في هذا المكان لم نكن نتبيّن الليل من النهار بسبب الظلام المطبق، وكانت الزنازين ضيقة جدًا لدرجة أنني لم أكن أستطيع رؤية أي شيء سوى مصباحين كبيرين. غلبني النوم في عالم من الوحدة والوحشة.

وعندما طرق الجندي باب الزنزانة فتحت عيني ورأيت أنه أحضر لي وجبة منتصف النهار المكونة من أرز وقطعة خبز يابس وبعض الفول. لم أكن أستسيغ الطعام، حيث كان أحد أصدقائنا تحت المطاردة من خلال هاتفه الخلوي، لذلك كنت قلقا عليه. توضأت بعد تناول الطعام، وبدأت أصلي الفجر قضاء، إلى أن فتح الجندي البوابة وعصب عيني مرة أخرى، وقيّد ساقي وسار بالكرسي المتحرك نحو مكان مجهول.

كان الجندي الذي أدخلني على الكرسي المتحرك يمشي بسرعة كبيرة، وبعد خمسة دقائق من المشي، وصلنا إلى غرفة هادئة حيث لم يكن يُسمع أي صوت على الإطلاق، وفتحوا عيني ويدي، لكن ساقاي كانتا مقيدتين، وبعد برهة قصيرة، دخل رجل يرتدي بدلة وسألني بأدب شديد عن حالة المداهمة. قلت: هل أنا إنسان؟

– نعم! لم لا؟

– لكنهم عاملوني بطريقة لا تليق بالإنسان. شكرًا على أني إنسان. لكن أعتقد أن الذين أرسلتهم لا نصيب لهم من الإنسانية.

فضحك نفاقًا وقال: إن كنت صادقًا فلا بأس، وإلا فسوف ترى السلوك الحقيقي هنا. طيب! ماذا فعلت؟

– لا شيء!

أخرج عينيه من الغضب الشديد، وخفض رأسه وقال: لقد أغضبتني منذ البداية. ومع مقولته هذه سمعت صراخًا من غرفة كان يتعرض فيها سجين للضرب وكان فيها صخب وصياح. قال لي النائب العام: سمعت صوت سجين آخر، والآن هل تريد أن يسمع صوتك أيضاً؟

بعد كلامه، دخل الغرفة رجل ضخم الجسد ذو وجه أحمر، ووقف أمامي وقال: اجلس متأدبا!

رددت عليه: أنا جالس بشكل صحيح إلا إذا كنت تبحث عن مبرر للضرب. فرد: هذه الغرفة ليست للضرب. خذوه إلى غرفة أخرى، فهو يعتقد أنه بيت خالته. فنادى جنديا اسمه “كريم” حيث أخذني إلى غرفة أخرى.

قال: حسنا! والآن أخبرني ماذا فعلت؟

قلت: لم أفعل شيئا.

وبعد إجابتي، صعقوني بالكهرباء. وكان ذلك مؤلماً حقًا. ثم تقدم ووضع يده على حلقي وركلني في بطني عدة ركلات، وعندما سقطت، أمسك بالكرسي وبدأ يضربني على ظهري إلى أن شعرت بعلامات فقدان الوعي. فأعطاني الماء وجلس أمامي مرة أخرى. أمسك بلحيتي التي نبتت حديثاً، وقال: هل تعرف من أنا؟ أمسك ذقني بيده اليسرى وسألني: ألا تعرفني؟ هززت رأسي بالنفي، فصفعني بقوة، ثم نادى “كريم” وقال: خذه، سأعرفه بنفسي غدًا.

جاء “كريم” ووضع الكيس الأسود على رأسي وبعد جولة قصيرة على الكرسي المتحرك، أعادني إلى الغرفة، حيث كان علينا أن نحكي أسرار قلوبنا فقط للجدران المبنية من الطوب. أخذت السجادة وصليت صلاة الظهر الفائتة، ثم رفعت يدي إلى الله تعالى مبتهلا وذرفت بعض الدموع على وجهي.

بعد الصلاة وقعت عيني على المصحف الشريف (القرآن العظيم) الذي كان أشد مني مظلمة، والذي كان موضوعاً فوق كوب ماء للشرب وتحت الخزانة بمسافة نصف متر. هل كان هؤلاء يهتمون بالقرآن؟! بل في نفس سجن باغرام أحرق الأجانب القرآن الكريم وكان الموظفون والمجندون المحليون يشاهدون ذلك. لم أستطع النوم بسبب القرآن الكريم لأنه كان تحت قدمي، فاضطررت إلى وضع القرآن الكريم على وسادتي. بعد لحظة وقعت في ذهني فكرة، فأخرجت بعض الخيوط من السجادة وعلقت القرآن الكريم على أحد جوانب باب الزنزانة.

كنا قلقين للغاية عندما نقوم بقضاء الحاجة؛ فكان القرآن الكريم أمامنا وكانت هناك كاميرا فوق رؤوسنا، وفي باطننا كنا نخجل من القرآن الكريم ومن الجنود المخدوعين الذين كانوا يراقبون أوضاعنا عبر الكاميرا. ولكن كنا مضطرين ولم يكن هناك شيء في وسعنا يمكننا القيام به.

كنت أمدّ عيني نحو المصباحين المعلقين فوقي طوال الليل؛ ولم يكن يتبين لي الليل من النهار.

بعد صلاة العشاء، وضعت جفنا على آخر، فلم أنم في الليلتين الماضيتين جيدا. كان السجن ذو الزنازين الكبيرة بعيداً عنا قليلا. في تلك اللحظة أذن السجناء، وقد حان وقت الفجر. بعد الصلاة أحضروا الشاي في أكواب بلاستيكية، أعتقد أنهم كانوا يحضرون الشاي في نفس الكؤوس لمدة شهر كامل، لقد كانت أكواب رقيقة للغاية، وكان علينا أن نمسكها بكلتا اليدين خوفا من التمزق، كان الشاي باردًا وكانت معه بيضة مسلوقة، لكنها لم تنزل إلى معدتي على الإطلاق.

بعد تناول الشاي كالعادة جاء الجندي وحملني مرة أخرى إلى أعداء الإنسانية. هذه المرة كانوا قد جهزوا كل شيء، وأحضروا كل أدوات الضرب. كان كل واحد من الضباط يؤدي دوره في الضرب، وخلع أحدهم -والذي كان يعرف بالدكتور- سترته وقال: لم أتدرب اليوم. يعني أني كنت في نظره مثل كيس الملاكمة!

وبعد ضغوطات متكررة وعقوبات قاسية، جاء جندي أمريكي وعاتبهم بشدة وقال: هذه الطريقة للتحقيق غير مقبولة لدينا. غادر جميع الضباط، ولم يبق في الغرفة سوى أمريكي واحد ومترجم، وعندما رآني، هز رأسه في وجهي كعلامة شفقة، ونادى الضباط الأفغان مرة أخرى، وكلفهم أن يفتحوا أغلال ساقي بأيديهم، الأمر الذي كان محرجًا للغاية بالنسبة لهم. ثم طلب لي الشوكولاتة والشاي.

كانت يداي ووجهي ملطختين بالدماء قليلاً، فعالجهما ونصح الضباط بعدم القيام بشيء كهذا مرّة أخرى! أما أنا فقد تفاجأت واستغربت: ما هذا الفرق الشاسع بين المسلم والكافر في التعامل مع السجين!

خرج الأمريكي، ورجع الضبّاط الأفغان كلهم ​​وقالوا: يكفي لليوم، استعد للغد! وإذا حدث تفجير سيارة ملغمة، (وهو الادعاء الذي رفعوه ضدنا) فسنحضر عائلتك بأكملها، بالإضافة إلى السب والشتم، قالوا أيضًا بعض الكلمات الأخرى غير المحترمة التي لا يأذن لساني وأصابعي بكتابة كلماتهم غير المناسبة هنا. بعدها جاء الجندي وأعادني إلى الغرفة التي يبلغ طولها مترين والتي بُنيت على شكل قبر.

عندما وصلت إلى الغرفة سألت الجندي عن الوقت؛ فقال: إنها الساعة الثانية والنصف، نهضت لأتوضاء، وبسبب الجروح التي أصابت يدي ووجهي، تمكنت من الوضوء بصعوبة. وبعد ذلك بدأت بتلاوة القرآن الكريم، وتلوت حتى المساء خمسة عشر جزءاً، اطمأن قلبي، ونمت بشكل مريح طوال الليل؛ حلمت أنني تحررت وشعرت بالسعادة، لكن عندما فتحت عيني كنت مستلقياً في نفس الظلام المرعب.

كنت جوعان، وقد وضعت فوق رأسي تفاحتان، وبعد أن أكلتهما بقيت مستيقظًا حتى أذان الفجر. وبعد أداء الصلاة، اشتغلت بقراءة القرآن الكريم إلى أن طرق الجندي الباب وقال: أيها السجين استعد!

اليوم مرة أخرى أحضروني أمام وجوه الأمس، هذه المرة ضحكوا وقالوا: هل تعرف ما هو عقابك اليوم؟ قلت: لا أعرف ما هي خطتكم!؟ تابعوا قائلين: خطتنا هي أنه إذا لم يعترف أحد بعد الضرب بجريمته، فسوف ندخل الزجاجة المعبأة إلى شرجه، قد تكون قصتي مفهومة أكثر وأفضل للأشخاص الذين تم التحقيق معهم في باغرام. قلت لهم: إنكم وقحون حقا. لقد سبق أن عرّف أحد من الضباط نفسه بأنه عالم دين، فقلت له: هل علمك الديني يعلمك هذه الأفعال؟

لقد اشتعل لهيب النار في قلبي، فقلت في نفسي: قد يطبق أعداء الإنسانية ما يقولونه! لأننا سمعنا هذا النوع من القصص من قبل ولم يكن لدينا أي أمل آخر من مثل هؤلاء الأشخاص الوقحين، ولذلك قلت لهم مرة أخرى: كأفغان يجب ألا تفعلوا هذه الأشياء. لماذا تزرعون الكراهية؟ نظر الضباط بعضهم إلى بعض، وانفجروا في الضحك مثل السكارى المرتبكين وقالوا: أنت بدأت بإلقاء خطاب لنا، نعتقد أنك مستعد لتطبيق خطة الزجاجة، كنت أكره وجوههم، فلو لم أعترف بجريمتي، لربما فعلوها، فاعترفت بأني مجاهد؛ فقد سئمت كلام أعداء الإنسانية.

بعد ذلك بدؤوا يعذبونني نفسياً؛ كانوا يرون سب الله تعالى وتحديه أمرا طبيعيا، وكانوا يسخرون منا، ويقولون أنتم الذين تقاتلون في سبيل الله، فلينجيكم ربكم من أيدينا (والعياذ بالله تعالى!). قلت ربما جاء بنا الله إلى هنا ليختبرنا؛ وبعد الاختبار وقبول التوبة سترون حريتنا، وسترى كيف نتحرر. كانوا مشغولين بالأوراق، وكانوا قد أعدوا ملفي منذ وقت طويل، ولم تبق إلا بصمة يدي فأخذوا مني البصمة ثم أعادوني إلى الزنزانة الانفرادية في السجن.

مضى علي ما يقرب من ثلاثة أشهر في الزنزانة الانفرادية. كان يعمل في الزنازين الانفرادية فريقين؛ أحدهما من الصباح إلى المساء، والآخر من المساء إلى الصباح. وبُني سجن باغرام على شكل مقابر، وأغلب أعماله من القبر إلى ساحة الحشر تشبه عالم البرزخ؛ كما جاء في الحديث الشريف أن المسلم إذا كان صالحاً تسأله ملائكة بوجوه جميلة، وإذا كان سيء العمل تسأله ملائكة العذاب بصورة رهيبة جداً؛ وبنفس الطريقة كان المسؤولون الذين يأتون للتحقيق أحياناً يرتدون أقنعة مخيفة جداً ويستجوبوننا داخل غرفة مبنية على شكل قبر. في بعض الأحيان كنا نسمع آهات السجناء من حولنا.

وبعد انتهاء التحقيق؛ تُكبّل أيدينا وينقلوننا إلى المحكمة. فإن أصدرت المحكمة أمراً بالبراءة، فإنهم يسلمونك الكتاب بيدك اليمنى وهو إعلان البراءة. وإذا كنت مجاهداً، فإنهم يسلمونك ملفك بيدك اليسرى، والتي ينبغي أن تعرف بعدها أنه سوف تبدأ التدريبات على الجحيم، وتنتهي قصة الحياة هنا، وتتحطم كل أحلامك، وتجزم في نفسك أن قضاء بقية حياتك برجاء الحرية هو مجرد حلم. فعندما يُختم الحكم بالسجن لمدة خمسة عشر عاما، فهل يتوقع الإنسان الحرية من أحد سوى الله تعالى!

كنت جالسًا في الزنزانة في انتظار أمر المحكمة حيث ناداني أحد السجّانين: سجين الغرفة الثانية عشرة! سجين الغرفة الثانية عشرة! قلت: انتظر حتى أنتهي من التلاوة. لما أختم حديثي إذ سمعت صوت الأصفاد فسألت الجندي: ماذا حدث؟ أجاب: “سوف آخذك إلى الخارج لأخذ حمام الشمس، ألا تخرج؟”

لم أكن أخرج منذ حوالي شهر ونصف، وعندما كان يضرب ضوء الشمس الجدار الإسمنتي كان يخطف بصري، فاضطررت للجلوس. فسأل الجندي: لماذا جلست؟ قلت: لا أستطيع النظر إلى الإسمنت.

لقد طالت أظافري، فأحضر مقص أظافر ليقصها.

ذهبت إلى الحمام. والملابس التي كنت أرتديها، إضافة إلى أنها كانت ملطخة بالدماء، كانت ملتصقة بجسدي، وربما ارتداها بعض السجناء الآخرين أيضاً قبلي.

سأل الجندي: هل أنت حافظ للقرآن الكريم؟ قلت: نعم! وبعد أن سألني بعض الأسئلة عن القرآن الكريم وأجبت عليها، قال: سأحضر لك ملابس نظيفة. شعرت بالحرية عندما ارتديت ملابس نظيفة، كنت قد تضايقت من ملابس السجن.

وفي نهاية المطاف، خرجت من تلك الزنزانة المنفردة الرهيبة. وتم نقلي إلى زنزانة كبيرة.

في الزنزانة الكبيرة طالبنا المسؤولين بحقنا في أن نتحدث مع عائلاتنا مرة واحدة لنطمئنهم على صحتنا. لكنهم منعونا هذا الحق.

وبعد ثلاثة أيام من إضرابنا الكلي عن الطعام، أحضروا لنا هاتفًا وأعطونا فرصة دقيقتين فقط للتحدث مع عوائلنا.

 

روائع من صمود المجاهدين:

عندما سُمح لنا بالاتصال بأهلنا، كان هناك أخ مجاهد آخر جالساً بجانبي؛ ونظرًا لأننا كنا قريبين جدًا وكان بإمكاننا سماع كلمات بعضنا البعض، فقد سمعته يتكلم عن حالة فظيعة مؤلمة جدا لدرجة أني كدت أفقد عقلي. كان مشغولاً بالتحدث مع والدته، وقال: “أماه! زوجتي مطلقة، يعني أنني طلقتها لأنهم جردوني من رجولتي بإخصائي. أذنت لزوجتي أن تتزوج بمن تشاء، لقد طلقتها مرارا وتكرارا ثلاث مرات”.

سمعت بعض الأصوات النسائية على الجانب الآخر من الهاتف. وعند سماعه تلك الأصوات، استشاط ذلك المجاهد حزنا وألما. المجاهد الذي لم يهزمه رعب الكواليس المظلمة، لم يستطع السيطرة على بغضه وبكائه عندما سمع أنين أمه وزوجته. لقد كان مشهداً مؤلماً وغريباً! كنت أقول في نفسي: لأقابلن هذا المجاهد واستفسر منه. لكن عندما انتبهت كان قد رحل.

نجحت في الاتصال بأهلي وطمأنتهم على أحوالي. وعندما سلم أخي الهاتف لأمي، سمعت صوت بكائها. لقد ودّعت أخي دون أن أتحدث إلى والدتي. لم أتمكن من التحدث مع والدتي، فقلت لها سنتحدث مرة أخرى.

عدت إلى الزنزانة. كنت أقضي الليل والنهار كالمعتاد. وفي أحد الأيام عندما كنت نائمًا، وقف جندي أمام نافذة سجني ونادى باسمي وأيقظني. قيدني بالسلاسل، وسلكنا طريق المحكمة. عندما وصلنا، وجدنا ثلاثة قضاة جالسين على المقاعد. طلبوا منا علانية أن نتصل بأهلنا ليعطوهم الأموال إذا كانوا يريدون إطلاق سراحنا!

من الواضح أنهم طلبوا منا رشوة. فأعربنا عن ضعفنا المالي. لكنهم لم يلتفتوا لذلك. خرجنا من قاعة المحكمة، وجاء القائد وقال: حكم عليك بالسجن خمسة عشر عاماً. هل توافق؟ قلت: الحقيقة أن ما في جيوب القضاة ليس قلما بل معول.

خطوت خطوات ثقيلة مرة أخرى نحو زنزانتي، فاصطدمت بعدة أماكن على الطريق وأصيبت ساقي في موضعين. وعندما وصلت، أتى جميع أصدقائي إلى الزنزانة، وسألوني: كيف كانت المحكمة؟ كم سنة حكم عليك بالسجن؟ قلت بثقة: حكم عليّ بالسجن خمسة عشر سنة. فسارع كل واحد منهم يسليني بطريقة ما.

في الوقت نفسه أمسك شخص يُدعى مولوي إبراهيم، وهو في الأصل من ولاية غزنة ولكنه كان يعيش في باكتيا، أخذ بيدي وقال: “أيها الشيخ! لا تقلق، لقد حكم علي بالسجن سبعة عشر عامًا وليس في أهلي من يتولى أمور أولادي؛ كان لدي ولدان، أحدهما كان يبلغ من العمر سبع سنوات والآخر يبلغ من العمر خمس سنوات، أوقفوهما ليلة الاقتحام أمامي وأطلقوا النار على رأسهما بمسدس وفجروا دماغيهما، فسقطا أمام عيني على الأرض كالطيور البريئة، لم أستطع أن أفعل شيئًا، حتى أخرجوني من المنزل، أسرعت زوجتي إلى أطفالها واحتضنت أجساد أطفالها الصغار وبكت.

أخذوني من كتفي وهرولوا بي نحو الدبابة، لا أستطيع أن أنسى هذا المشهد، ماذا أفعل؟ رضا الله وحده هو وجهتنا وغايتنا. عانقني أطفالي بشدة وقالوا لهم: لا تأخذوا والدنا بعيداً! لكنهم لم يعلموا أنهم جاوؤا ليسلبوا أرواحهم أيضا! وبعد دقائق قليلة، طارت أرواحهما البريئة أمامي”.

لقد آلم ذلك قلبي، وبلغ القلب الحنجر، ورغم أنه كان يواسيني، إلا أن بعض الدموع بللت وجهه، فمسح دموعه بكمه. فلم نكن نملك في باغرام منديلا أو قطعة قماش لمسح الدموع. ثم ابتسم، وقال: بكيت لأني فكّرت لو كان الله تعالى غاضبا علينا رغم كل هذه المصاعب، فماذا نفعل؟

كنت واقفا كجثة بلا روح أمام هذا الإنسان العظيم.

 

سمعنا صوت الأذان، ونهضنا معاً لصلاة العشاء. وبعد الصلاة جاء شخص آخر يواسيني وقال: “لا تقلق! أنا كذلك محكوم علي بالسجن 16 سنة، لست قلقا أبدا، سيسهل الله علينا، لقد أمضيت 8 سنوات حتى الآن. لقد أصبحت عقيدتي أقوى بكثير من ذي قبل. قصف منزلي يوم الاقتحام، تمزقت أمي إرباً إرباً نتيجة قذيفة هاون. فلم أرها في الحياة ولا بعد مماتها؛ ولم أتمكن من أن أصلي حتى على جنازتها. سلبت مني أحلامي وآمالي وحلاوة الحياة”.

تنهّدت وقلت: لا بأس، استضاف الله والدتك في الجنة.

ثم انزويت عنهم وبدأت في تلاوة القرآن الكريم. وما إن تلوت حوالي ربع ساعة حتى جاء بجانبي مجاهد آخر من ولاية غزني، وقال: “أيها الشيخ! لا تقلق!”. أغلقت المصحف الشريف وقلت: لا يا أخي! لماذا يجب أن أقلق عندما أكون مع أصدقاء مثلك؟ قال: إذا انتهيت من التلاوة تعال نمارس الرياضة بعد العصر. أجبته بالإيجاب بهز رأسي.

لقد أصبح صديقا لي إلى حد ما، وكانت علاقتي به أكثر من السجناء الآخرين. قال: “سأحكي لك قصة أعزيك؛ لا يمكنك الحصول على الدين بالمجان، اعتبروا سجن باغرام مصدر فخر لكم. عندما اعتقلوني، أخذوا معي أيضًا والدتي وأختي الصغيرة؛ لقد سمعت للتو أنه تم إطلاق سراح والدتي، لكن أختي لا تزال مسجونة في رئاسة الأربعين! لما سمعت كلامه جف الماء في حلقي تمامًا. فأمسك يدي وبكى وقال: الله أعلم بما تعانيه أختي الآن!”.

لقد كان حقا اختبار، كنت أفكر بعمق وكنت أقول لنفسي: أي بلاء ابتليت به هذه الأمة!؟ أخذ بيدي وقال: انهض لنمارس الرياضة.

ورغم أنني قمت للرياضة، لكن قلبي كان مكسوراً، كنت أفكر في الأخت الصغيرة لهذا المجاهد، من سيحقق معها وماذا سيقول لها! كيف تكون جالسة بعيون دامعة وأيدي مكبلة مع الضعف والهوان أمام الضابط؛ كنت أفكر طوال اليوم في هذه الفتاة العاجزة وأتخيل حوادث مختلفة في ذهني! قام مدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان بقتل طفلين بالبنادق أمام والديهما، وجلبوا امرأتين بريئتين وألقوهما أمام الوحوش الإنسية!

 

نحن لم نتعب ولن نتعب:

كان الوقت يمضي ببطء. مرض أحد زملائنا في الزنزانة، وكان من سكان ولاية هرات، وقد قضى ست سنوات في السجن. يبدو أن شبابه قد انتهى، فكانت عيناه الكبيرتان تصغران يوما بعد يوم بسبب المرض، وكان وجهه الجميل جافاً، كان مثل شجرة تقف في الصحراء محرومة من الماء، أسقطت رياح الخريف أوراقها الصغيرة.

توسلنا إلى القائد أن ينقله إلى العيادة الصحية، لكنه لم يسمعنا. قام عدد قليل من الأصدقاء بخياطة أفواههم، وتوقفنا عن الأكل، لكن المسؤولين أصرت أكثر. أغمي على المريض، فجاء الطبيب وأخذه إلى العيادة. وعندما عاد تبين أنهم ناولوه حبة مهدئة واحدة. وبعد ساعة نفد صبره مرة أخرى بسبب تزايد الألم. وكان يصرخ ويئن بسبب الألم في كتفيه ورأسه. اشتبكنا هذه المرة مع عناصر السجن. كنا داخل الزنازين وهم بالخارج. لقد وضعوا أنبوب المياه فوقنا، وأصبحنا مبتلين في الشتاء البارد لكننا لم نستسلم. فوجهوا أنابيب المياه نحو مصاحفنا وقالوا: هل تتوقفون أو نبلل كتبكم ومصاحفكم كلها؟ وكنا نقول لأنفسنا إنهم مسلمون أيضاً ولن يفعلوا شيئاً من هذا القبيل، لكنهم فعلوا ما قالوا وانتهى نزاعنا!

فلما رأينا المشهد بكينا ودعونا: يارب! تم إحراق القرآن الكريم وألقي في الماء والمراحيض. يا رب! حررنا من هذا العجز.

وجاء الجندي وأخذ رقم المريض، وبعد وقت قصير من وصوله إلى العربة. ونقل عن القائد قوله: سننقل المريض إلى مستشفى وزير أكبر خان. أخرجوه، وبعد ذلك لم نر (خير الله جان) في الحياة. لقد أسلم روحه لبارئها في الطريق. قضى ست سنوات من شبابه في السجن، وحُرِم من نعمة الحرية، ومات في السجن.

سينفطر قلب الأم التي انتظرت سنوات طويلة لتقبل ولدها حيا، وتلتقي به حراً، عندما ترى النعش الثقيل لجسد ولدها. سوف تنتحب أخواته مثل الطيور حول جثمان أخيهن.

كانت الحياة في السجن من النوع الذي لم يكن لديك فيه أي حماس أو أمل في أي شيء؛ ولا حتى في الحياة والموت! في كل مرة ينتقل فيها صديق من زنزانة إلى أخرى، كان ذلك اليوم هو بالضبط يوم تبلغ فيه القلوب الحناجر، ولم تكن تعرف ماذا تفعل. مع مرور الوقت، بدأت مفاوضات إمارة أفغانستان الإسلامية، وبدأت البصمات البيومترية تُجرى على من كان موجوداً في القائمة المكونة من خمسة آلاف شخص، كان جنديان أمريكيان جالسين معًا، وقال أحد أصدقائي الاستشهاديين في السجن للأمريكي الذي كان يجري البصمة البيومترية:

لماذا تجرون البصمة البيومترية؟

قال الأمريكي: لتحريركم، أنتم متعبون ونحن كذلك!

قال الاستشهادي: نحن لم نتعب، ولن نتعب ولو بقينا عشر سنوات من الآن في السجن.

استغرب الأمريكي وقال: الآن تم الاتفاق على أننا سنطلق سراحكم.

وبعد عام بدأ عملياً مسلسل إطلاق سراح السجناء؛ كنا منشغلين بصلاة الظهر جماعة، حيث نادوا بأرقام ثلاثة من السجناء وقالوا: استعدوا، سيتم إطلاق سراحكم. عندما سلمنا، كنا نسمع أصوات الفرح والسرور من كل جانب، لقد قمنا بضرب السجناء الثلاثة الذين كان يُتوقع إطلاق سراحهم، عن محبة ومودة. وعندما بدأنا صلاة العشاء، أعلنوا أسماء اثنين آخرين. كنا سعداء جدا. كان كل سجين يتمنى لو أعلن اسمه.

كان اليوم الثالث من عيد الفطر، وقد صمت دون أن أتناول السحور. صدقوني، حتى أنني لم أنتبه للصيام بسبب سروري وفرحي. كان ذلك قبل غروب الشمس بحوالي نصف ساعة عندما جاء الجندي وأعلن رقمي. كان أصدقائي سعداء، أما أنا فكنت حزينا وكنت أقول في نفسي كيف سيكون حال بقية الأصدقاء!

على أية حال؛ لقد خرجت من الزنزانة، ولم تكن هناك أصفاد ولا أغلال! كان هذا بالضبط هو الطريق الذي كنت أسير فيه معظم الوقت وعيناي مغمضتان وساقاي ممدودتان. لكن الحمد لله خرجت هذه المرّة بذراعين مفتوحتين. كان الزقاق خارج المباني مليئًا بالسجناء الآخرين؛ كانت تتعالى أصوات التكبير، وأدينا صلاة المغرب، لقد وجدنا العديد من الأصدقاء، ولم نعتقد أبدًا أننا سنكون أحرارًا. جلسنا في سيارات كاستر، وكانت الساعة الواحدة تقريبًا عندما نزلنا عند تقاطع عبد الحق.

كان عمي قد قدم لاستقبالي، وصلنا إلى المنزل وقت صلاة الجمعة. لم ينم جميع أهل المنزل طوال الليل، وكانت والدتي سعيدة للغاية لدرجة أنها ألقت الزهور حول رقبتي عندما رأتني، ولفت ذراعيها حول رقبتي، والتي كانت بالطبع أفضل ألف مرة من الزهور. لقد كان شعورًا غريبًا بالفرح وحنان الأم.

 

كسر السجن:

كان الوقت منتصف الليل ولم أستطع النوم لأنني كنت متخوفًا من المداهمات الليلية، ذهبت إلى منزل شخص آخر بعيدًا عن منزلي ولا يشك أحد في وجود المجاهدين هناك. كنت أذهب معظم الأوقات إلى هناك وأقضي الليل وأعود إلى المنزل في الصباح.

بدأت سلسلة سقوط الجمهورية؛ تم تحرير عدة ولايات واحدة تلو الأخرى، كانت الساعة حوالي 12 ليلاً عندما اتصل بنا المسؤول العسكري في منطقتنا، وقال: نعتزم مهاجمة قاعدة باغرام العسكرية، أخذت حقيبتي وانضممت إلى أميري. كنا نقف على بعد كيلومتر واحد تقريباً من قاعدة باغرام. كنا أقل من 20 شخصًا، لكننا أردنا إنهاء كارثة باغرام الكبرى. تم الاتصال مرة أخرى بإلغاء العملية هذه الليلة والقيام بها صباح الغد.

استسلم أمراء الحرب بالقرب من قاعدة باغرام بعد الفطور، وأمر قادة الإمارة الإسلامية بالانتظار حتى الساعة الثانية بعد الظهر، وقال: سيخرجون بأنفسهم. لكن الإبلاغ المذكور لم يصل إلى جميع المجاهدين، حيث أوصل بعض المجاهدين أنفسهم إلى البوابة الثالثة والرابعة لباغرام. وكان جنود الجيش الوطني يستسلمون، ورأينا بينهم أشخاصاً عذبونا في السجن كثيرا، لكننا تجاهلنا ذلك وتركناهم ليرحلوا.

بدأت الطائرة بقصفنا؛ وألقت قنابل في مكانين بحيث استشهد نتيجته العديد من السجناء. كما انضم العشرات من المجاهدين إلى قافلة الشهداء، وعندما ذهبنا إلى مكان الشهداء، كان رأس كل شهيد إما مفصولا أو منقسمًا إلى نصفين، وكانت النيران مشتعلة على جثامين الشهداء؛ ولم نتمكن من إطفاء نار جسد صديقنا الشهيد.

اشتعلت النيران في أحد أصدقائنا؛ وتفحّم جسده، وكانت رائحة الجسد المحترق تملأ الجو، وكان الجرحى يصرخون. وعلى بعد خطوات قليلة منا كان أحد الجرحى يئن ويصرخ، كان جنديا في الجيش الوطني. لما اقتربنا منه رن هاتفه، وعندما أجبت، سمعت صوت والدته التي أسرعت بالسؤال: “يا بني!” هل أنت بخير؟ قلت: هو بخير. وقلت لهم: أن يأتوا إلى بوابة باغرام رقم 3 ويأخذوا ولدهم معهم، نظر الجندي إلى وجهي بيأس. لقد ألزمنا شخصا بالعناية به حتى تصل أمه، لكن الموت كان أسرع إليه من أمه. وعندما وصلت الأم عانقت ابنها وهو مملوء بالدماء وصرخت، وأغمي على والده ذو الشعر الأبيض. أحضرنا لهم سيارة وتركناهم يذهبون بجثة ابنهم، بينما كان جرحانا في أشد الحاجة إلى الماء. عندما نذهب بالماء إلى جريح، يتوقف صوت الجريح الآخر إلى الأبد، ويدخل في نوم عميق إلى الأبد. اتصل أصدقاؤنا في السجن وأخبرونا أنهم خرجوا، وكان الأسرى يخرجون من السجن جماعات وفرادى.

كان هذا النصر العظيم دمويًا بالنسبة لنا، لقد استشهد أصدقاؤنا المقربون. وعندما وصلت القرية، كان هناك العديد من الشهداء في المقبرة لا يُعرف ذويهم. ولم يكن من الواضح من هم؛ لأنهم كانوا جثامين بلا رؤوس.

لقد تغلب التعب على وجودي المنكسر، وغلبني النوم وأنا أفكر في أصدقائي المقربين. عندما ذهبت إلى المقبرة في الصباح، كانت مليئة بالنساء. كانت الصرخات والآهات مؤلمة. كل أخت كانت جالسة على رأس أخيها الشهيد وأمه فاقدة الوعي على قبره. لم أستطع التحمل وذهبت إلى سجن باغرام مرة أخرى. كنت أعرف السجن من قبل جيدا، فقلت في نفسي: ربما قد بقي هناك سجين عجز عن الخروج فأعينه! وكنت مصيبا في ظني، فقد ساعدت سجينين في اليوم الثاني على الخروج من السجن أيضا.