رسالة العلماء – الحلقة 10

مالي إذا نظرت إليك امتلأت منك رعباً؟!

إعداد: بلخي

 

قال العلماء :” لقد جعل الله قيم الحقّ والعدل ميزاناً بأيدي العلماء الربّانيّين، والأئمّة المهديّين، الذين ائتمنهم على دينه، وما سواها أهواء متناحرة، وظلمات مدلهمّة، وظلم وعدوان، وبغي وبهتان. فأوّل مسؤوليّاتهم أن يعلنوا قيم الحقّ والعدل للناس، ويعلّموهم إيّاها، وينشروا حقائقها ويشيعوها، ويبشّروا بها بكلّ وسيلة، ويدعوا الناس للالتزام بها، وإيثارها على ما سواها. وهم في ذلك يقفون على صراط الله المستقيم، وهديه القويم، يبشّرون به، ويدعون إليه، فإن عجزوا عن ذلك أو ضعفوا فلا أقلّ من أن يلزموا الصمت، ويعتزلوا الناس، ولا يعينوا الظالم على ظلمه، والباغي على بغيه. وإنّ الأئمّة المهديّين، والعلماء الربّانيّين في كلّ عصر ومِصر لا يقفون بين الأمّة والحاكم على مسافة واحدة، بل هم في صف الأمّة وأقرب إليها، لا استرضاءً للعامّة وإيثاراً للأهواء، ولكن لأنّ الأمّة ـ والتاريخ شاهد صدق على ذلك ـ تنتقص حقوقها في أغلب الأحوال، ويعتدى على حرماتها، وتصوّب إليها سهام المظالم من كلّ باغ متنفّذ، ويضعف أكثر أفرادها عن المطالبة بحقوقهم، فينامون على الضيم، ويستكينون للظلم، ممّا يجرّهم إلى ألوان من الفساد لا تقف عند حدّ. ويتطلّعون إلى العلماء، وهم الفئة الرائدة الراشدة، وينتظرون منهم أن ينتصروا لهم، ويطالبوا بحقوقهم.. فهل من المسؤوليّة أن يخذل العلماء الأمّة التي وثقت بهم، وعلّقت آمالها عليهم.؟!

إنّ الأمّة تريد من علمائها أن يكونوا لسانها الناطق بالحقّ، وقلبها النابض بالإيمان والهدى، وعقلها المفكّر، الذي يفقه دين الله، ويعي الواقع، بكلّ ملابساته، ويُعلّم ويُبصّر، وأن يكونوا يدها المغيثة في كلّ نازلة، ورائدها القدوة في كلّ ميدان من ميادين الخير. ولا نقول هذا الكلام من نسج الخيال، ففي التاريخ الإسلاميّ وفي الحاضر نماذج مشرقة عن ذلك كلّه.

وعلى سبيل المثال.. قال مقاتل بن سليمان، دخلت على حماد بن سلمة، فإذا ليس في البيت إلا حصير وهو جالس وفي يده مصحف يقرأ فيه، وجراب فيه علمه، ومطهرة يتوضأ منها، فبينما أنا جالس إذا دقّ الباب، فقال حماد: يا حبيبة اخرجي فانظري من هذا؟. فقالت رسول محمد بن سليمان إلى حماد بن سلمة، فأذن له فدخل، فقال بعد أن سلم أما بعد: فصبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، وقعت مسألة فأتنا نسألك عنها والسلام. فقال: يا حبيبة هلم الدواة ثم قال لي: اقلب كتابه. واكتب أما بعد: فأنت صبحك الله بما صبح به أولياءه وأهل طاعته، إنّا أدركنا العلماء وهم لا يأتون أحداً فإن وقعت لك مسألة فأتنا وسل ما بدا لك، وإن أتيتني فلا تأتني بخيلك ورجلك فلا أنصحك ولا أنصح إلا نفسي والسلام.

فبينما أنا جالس إذ دق الباب فقال: يا حبيبة أخرجي فانظري من هذا؟ قالت محمد بن سليمان قال: قولي له يدخل وحده، فدخل وجلس بين يديه ثم ابتدأ فقال: مالي إذا نظرت إليك امتلأت منك رعباً؟!

قال حماد: حدثني ثابت البناني قال سمعت أنساً يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن العالِم إذا أراد بعلمه وجه الله هابه كل شيء، وإذا أراد به أن يكنز به الكنوز هاب من كل شيء). فقال ما تقول رحمك الله في رجل له ابنان وهو عن أحدهما أرضى، فأراد أن يجعل له في حياته ثلثي ماله؟ فقال حماد : لا يفعل رحمك الله، فإني سمعت أنساً يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا أراد الله أن يعذب عبداً من عباده في حياته وفقه إلى وصية جائرة) فعرض عليه مالاً فلم يقبل وخرج.

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نعم الأمراء على أبواب العلماء). وقد دخل أحدهم على سليمان بن عبد الملك، فقال له سليمان تكلم، فقال: يا أمير المؤمنين إني مكلمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإن وراءه ما تحب إن قبلته، فقال: إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غشه، فكيف بمن نأمن غشه ونرجو نصحه، قال: يا أمير المؤمنين، إنه تكنفك رجال أساؤا الاختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله تعالى ولم يخافوا الله فيك، حرب الآخرة سِلم الدنيا، فلا تأمنهم على من ائتمنك الله عليه، فإنهم لم يألوا في الأمانة تضيعاً وفي الأمة خسفاً وعسفاً، وأنت مسؤول عما اجترحوا، وليسوا بمسؤولين عما اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس غبناً من باع آخرته بدنيا غيره، فقال له سليمان: أما إنك قد سللت لسانك وهو أقطع من سيفك، قال: أجل يا أمير المؤمنين ولكن لا عليك.

لما خرج الظاهر (بيبرس) إلى قتال التتار بالشام أخذ فتاوى العلماء بجواز أخذ مال من الرعية يستنصر به على قتالهم، فكتب له فقهاء الشام بذلك فأجازوه، فقال: هل بقي من أحد؟ فقيل له: نعم، بقي الشيخ محيي الدين النووي فطلبه فحضر فقال له: اكتب خطك مع الفقهاء. فامتنع، فقال: ما سبب امتناعك فقال: أنا أعرف أنك كنت في الرق للأمير (بندقدار) وليس لك مال ثم منّ الله عليك وجعلك ملكاً، وسمعت عندك ألف مملوك، كل مملوك له حياصة من ذهب وعندك مائتا جارية لكل جارية حق من الحلي، فإذا أنفقت ذلك كله وبقيت مماليك بالبنود والصرف بدلاً من الحوائص، وبقيت الحواري بثيابهن دون الحلي، أفتيتك بأخذ المال من الرعية، فغضب (الظاهر) من كلامه وقال: اخرج من بلدي -يعني دمشق-، فقال: السمع والطاعة. وخرج إلى (نوى) فقال الفقهاء: إن هذا من كبار علمائنا وصلحائنا وممن يقتدى به فأعده إلى دمشق، فرسم برجوعه، فامتنع الشيخ وقال: لا أدخلها والظاهر فيها، فمات بعد شهر.

اعتذر الحاكم لأنه علم من هو النووي علماً وتقوى ولكن النووي رفض هذا الاعتذار بإباء وشمم ليعطي درساً بليغاً بأن الحكام يحرم عليهم الإساءة إلى مسلم وكيف للعالم ولو اتبعها بالاعتذار.

نعم أجوبة العلماء للحكام هي للحكام أنفسهم لا عليهم، وكيف لا وهي تعين درب النجاة من الوقوع في الأخطاء، والحاكم المسلم يعلم أن كل خطأ جالب للإثم يسيء إلى الرعية التي ولته أمرها ليحسن الرعاية به.