رسالة العلماء 17 – إن الرجل لَيدخلُ على السلطان ومعه دِينُه، فيخرج ولا دينَ له!

5h7qWZ

إن الرجل لَيدخلُ على السلطان ومعه دِينُه، فيخرج ولا دينَ له!

أخرج البيهقي عن الزهري أنه قال لهشام بن عبد الملك ألا تُرسل إلى أبي حازم وتسأله ماذا يقول في العلماء؟ فأرسل إليه فجاء فقال له: يا أبا حازم ما قلتَ في العلماء؟

قال: وما عسيتُ أن أقول في العلماء إلا خيراً، إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا ولم يستغنِ أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأى ذلك هذا وأصحابه وتعلموا العلم فلم يستغنوا به، واستغنى أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأوا ذلك قذفوا بعلمهم إلى أهل الدنيا ولم يُنلهم أهل الدنيا من دنياهم شيئاً، إنّ هذا وأصحابه ليسوا علماء .

وقد عاش الإمام سفيان الثوري مشرّداً، والإمام أحمد فترة من حياته هارباً من السلطان، ومات الإمام أبو حنيفة مسجوناً، كان هذا حالهم مع الحكام الذين كانوا يحكمون بشرع الله لا بالقوانين الوضعية، وكانوا قائمين بجهاد الكفار وأخذ الجزية منهم، ليس كحال طواغيت هذا العصر الموالين لأعداء الله المحاربين لأوليائه والمعطلين لفريضة الجهاد المبدّدين لأموال الأمة.

فإذا كانت شدّة السلف على من أتى أبواب الحكام في عصرهم، فكيف يكون الأمر لو رأوا من ينتظم تحت مظلتهم ولا يتكلم في قضايا الأمة المصيرية إلا بأمرهم وهو مع ذلك يرفل في ثياب النعمة ويتقاضى أعلى الرواتب ويسكن القصور وينعم بأعطياتهم بين الحين والآخر؟ وصدق من قال:وعين الرضا عن كلّ عيب كليلة!

كم من العلماء والدعاة المسلمين مالوا ميلاً جرَفَهم نحوَ زخارف الدنيا الواهمة، فغدَوا من حاشية الزعماء والرؤساء؛ موظفين في حكومات لا تطبِّق شرع الله؛ بل تحاربه وتَكيد له، كان يقول الإمام الغزالي في “الإحياء”: “الدخول على الأمراء مذموم جدًّا في الشرع، وفيه تشديدات وتغليظات تواردت بها الأخبار والآثار”، فكيف بمن دقَّ الأبواب، وانتظر عند عتبات الملوك والزعماء والحكَّام؛ لنيل رضًا، أو كسبِ حَفنةٍ من مال، أو تحقيق رغبة في تصدُّر منصبٍ وجيه؟! وقد قال ابن مسعود – رضي الله عنه -: “إن الرجل لَيدخلُ على السلطان ومعه دِينُه، فيخرج ولا دينَ له، قيل له: ولِمَ؟ قال: لأنه يرضيه – أي: السلطانَ – بسَخَط الله.

والواقع يُجلِّي سببًا من أسباب تساقُط بعض العلماء، وهو تولِّيهم المراكزَ والمناصب والوظائف لدى الحكَّام الجائرين المرتهنين، فإنْ تفوَّه العالِم بالقول الحقِّ، ولم يُعجب الحاكم، قطع عنه موردَ رزقِه، أو عزَلَه عن منصبه، أو حاول تشويه سمعته، ويُحكى أن أحد العلماء من السلف “تكلَّم على احد أمراء المؤمنين بما لا يُعجبه ويرضيه أمام الرعية، فأمر حاشيتَه أن يعزلوه عن وظيفته، قالوا: ليس له وظيفة يا أمير المؤمنين، قال: احرموه من العطايا، قالوا: لا يأخذ عطايا، قال: إذًا؛ أوقفوا عنه الهبات، قالوا: لم يأخذ هبةً قط، قال: امنعوا عنه الأموال من بيت مال المسلمين، قالوا: لا يأخذ شيئًا يا أمير المؤمنين، فاستشاط غضبًا وقال: إذًا؛ كيف يأكل؟! قيل له: لديه حِرفة يكسب منها .

إنه بتوقير العلماء تحفظ الشريعة، وتنشر أحكامها، ويكثر سواد أهل السنة، وتجتمع الأمة، وتأتلف كلمة المسلمين، وتذهب شوكة أهل الفجور، ويأتمر العامة بكلمة العلماء، ويفيء المسلمون لدينهم عند نزول الفتن والأمور المدلهمة.

وللأسف، هناك علماء للسلطة منافقون يضفون نوعاً من الشرعية الدينية على الحاكم الطاغوت المستبد، فيحلون له الحرام ويحرمون له الحلال، بل ويساعدونه على التسلط والاستبداد بفتواهم التي لا يرعون فيها ذمة، ولا يصونون بها علماً، مما يجعل الحاكم يستمد منهم وجوده وشرعيته، فينسون النصح له، ولا يرون مقاومة ظلمه وجبروته، ويطوعون النصوص الدينية لخدمته فيلوون أعناقها ويؤولونها حسب ما يراه ويعتقده، فيدعون أن طاعة الحاكم وإن كان طاغوتاً ظالما واجبة ولا يجوز الخروج عليه.

وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ. أخرجه أبو داود.

فكم من علماء دين أفسدوا الحاكم بفتاويهم وأناموا الشعوب وخذلوهم بتأويلاتهم، ونشروا اليأس بين الناس في التغيير والإصلاح بكلامهم .

ولقد خلّد التاريخ نماذج رائعة لعلماء ربانيين واجهوا ظلم الحكام وتحملوا في ذلك الجلد والحبس والنفي بل والقتل، كما حدث بين سعيد بن جبير والحجاج بن يوسف الثقفي، وبين سعيد بن المسيّب وهشام بن إسماعيل، وبين طاووس وهشام بن عبد الملك، وبين الحسن البصري والحجاج، وبين أبي حنيفة والمنصور، وبين الثوري والمهدي، وبين الفضيل والرشيد، وبين المنذر بن سعيد والخليفة الناصر، وبين العز بن عبد السلام والملك الصالح، وبين النووي والظاهر بيبرس، وبين ابن تيمية وغازان.

الأَرْضُ تَحْيَا إِذَا مَا عَاشَ عَالِمُهَا   وَإِنْ يَمُتْ عَالِمٌ مِنْهَا يَمُتْ طَرَفُ

كَالأَرْضِ تَحْيَا إِذَا مَا الْغَيْثُ حَلَّ بِهَا     وَإِنْ أَبَى حَلَّ فِي أَكْنَافِهَا التَّلَفُ

إن من أهم الواجبات التي تجب على الوعّاظ والعلماء تجاه حكّامهم، بذل النصيحة لهم، وتبيين الحق لهم، وتحذيرهم من مخالفة السنّة، وبيان أنّ التمسّك بها طريق للنجاة والجنان.

يحكى أن هارون الرشيد كان قد بنى قصراً؛ فلما فرغ منه استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لي ما نحن فيه من العيش؛ فأنشأ يقول:

عش ما بَدَا لَكَ سالماً                        في ظل شاهقة القُصُور

يُسْعَى عليك بما اشتهيت                   لَدَى الرَوَاح وفي البُكُور

فإذا النفوس تَقَعْقَعَت             في ضيق حَشْرَجَة الصُدُور

فهناك تَعْلَم مُوقناً                     ما كُنْتَ إلاّ في غُرُور

فبكى الرشيد؛ فقال له الوزير: دعاك أمير المؤمنين لتسرَّه فأحزنته.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- في أثناء حديثه عن حقوق الولاة-: “وأما من كان مبتدعاً بدعة ظاهرة، أو فاجراً فجوراً ظاهراً؛ فهذا إلى أن تنكر عليه بدعته وفجوره أحوج منه إلى أن يطاع فيما يأمر” .

و من واجب العلماء والوعّاظ أيضا أن ينتصروا للمظلومين؛ وذلك بتنبيه الحكّام على موقع الظلم إن كان من طرف عمالهم؛ أو ببيان عاقبة الظلم وشناعته، إن كان الظلم من طرف الحاكم نفسه؛ وهذا الأمر من تمام النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم.

وظلم الحاكم لرعيّته واردٌ؛ إلاّ من عصمه الله تعالى من أئمة العدل. قال تعالى: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ).

ومن نماذج نصائح السلف رحمهم الله في هذا المجال:

بعث سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز رحمهما الله كتاباً جاء فيه:

ما أعظم الذي ابتليت به يا عمر؛ فاقطع الذي سبق إليك من أمر هذه الأمة بالعدل، ومن بعثت من عمالك فازجره زجراً شديداً شبيهاً بالعقوبة عن أخذ الأموال وسفك الدماء إلاّ بحقها؛ المال المال يا عمر، الدم الدم يا عمر؛ فإنّه لا عدّة لك من هول جهنم من عامل بلغك ظُلْمه ولم تغيره”.

وعن الأصمعي قال: “وعظ عطاء بن أبي رباح عبد الملك بن مروان يوماً فقال له: يا أمير المؤمنين اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده بالعمارة، واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس، واتّق الله في أهل الثغور فإنهم حصن المسلمين، وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسؤول عنهم، واتق الله فيمن على بابك فلا تغفل عنهم ولا تغلق بابك دونهم، فقال له: أجل أفعل؛ ثم نهض وقام.

دخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين! إني مكلمك بكلام فاحتمله، وإن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته، فقال: يا أعرابي! إنّا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه، ولا نأمن غشه؛ فكيف بمن نأمن غشه، ونرجو نصحه.

فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين! إنه قد تكنّفك رجالٌ أساءوا الاختيار لأنفسهم، وابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربهم؛ خافوك في الله تعالى، ولم يخافوا الله فيك؛ حرب الآخرة سلم الدنيا؛ فلا تأتمنهم على ما ائتمنك الله تعالى عليه، فإنهم لم يألوا في الأمانة تضييعاً، وفي الأمة خسفاً وعسفاً وأنت مسؤول عما اجترحوا وليسوا بمسؤولين عما اجترحت؛ فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك؛ فإن أعظم الناس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره؛ فقال له سليمان: يا أعرابي! أما إنك قد سللت لسانك وهو أقطع من سيفك قال: أجل يا أمير المؤمنين، ولكن لك لا عليك”.