رسالة بتوقيع غيمة أفغانية

حين تتحدّث الغيوم فإن لحديثها مصداقية أشد من مصداقية أولئك الذين يمضون أربعة أعوام من أعمارهم خلف مقاعد الدراسة من أجل أن يقولوا لنا-عبر شاشات التلفزة- أن أمريكا وحلفاءها موجودون في أفغانستان لينثروا الورود والأزهار من طائراتهم على رؤوس الأفغان، وليحموا الشعب الأفغاني من نفسه (من المجاهدين)، وأن طائرات “الدرونز” – التي أصبحت تزاحم الطيور […]

Cloudsحين تتحدّث الغيوم فإن لحديثها مصداقية أشد من مصداقية أولئك الذين يمضون أربعة أعوام من أعمارهم خلف مقاعد الدراسة من أجل أن يقولوا لنا-عبر شاشات التلفزة- أن أمريكا وحلفاءها موجودون في أفغانستان لينثروا الورود والأزهار من طائراتهم على رؤوس الأفغان، وليحموا الشعب الأفغاني من نفسه (من المجاهدين)، وأن طائرات “الدرونز” – التي أصبحت تزاحم الطيور في السماء – تقلع وتهبط فقط لأجل أن تقوم بواجب التهاني في ولائم الزواجات، أو بواجب التعزية في تجمعات العزاء، أو لتؤنس المسافرين على الطرق السريعة بورودها الأسرع!، وأنّ عدد من قُتل من الطالبان (المتوحّشين، الشرّيرين، الإرهابيين) في عملية واحدة بلغ 50 مليون شخص! وعدد من قُتل من ذوي العيون الزرق (الطيّبين، البريئين، المظلومين) لا يزيد عن نصف جندي فقط مع إصابة رُبع جندي آخر بإصابة طفيفة جداً جداً في طرف إصبعه أدخلته قسم العناية الفائقة!

حديث الغيوم أيها سادة، طاهرٌ مطهّر عن كل هذا الدجل، مرتفعٌ عن هذا السقوط في القيم والضمائر؛ لأنها تسكن في السماء وتلتحف بالسماء وتفترش السماء.

ففي ذات يوم كنت أسير لوحدي بين جبال أفغانستان العظيمة، أتأمل معجزات الله في هذا البلد الأبيّ، وأفغانستان بالمناسبة كلها آيات جديرة بالتأمل والوقوف عليها من بداية ألفها وحتى انتهاء نونها، ولم يقطع حبل تأملاتي تلك سوى وشوشة من 5 غيمات مجتمعات بفرح وانشراح في كبد السماء، اقتربتُ ناحيتهن وألقيت عليهن السلام ثم سألتهن ما أمرهن وما سرّ هذه البهجة البادية عليهنّ، فرددن السلام وقلن: إنه يوم “عمليات العزم” الربيعية.

عمليات العزم الربيعية؟؟، وما عمليات العزم الربيعية؟! زدنني باللهِ، فإنني وإخوتي المسلمين في أصقاع الأرض لفي شوق كبير لمعرفة المزيد؟، قلتُ هذا ورأسي مشرئبّ إلى السماء وكُل مافيني آذانٌ مصغية لما سيخبرنني به أولئك الغيمات الأفغانيات العجيبات!

فقالت إحداهنّ: “لا بأس، سأحدّثكم في رسالتي التالية عن أحاديث العزم! ولكن عليكم تبليغها للمسلمين ما استطعتم إلى ذلك سبيلاً”.

ناولتني الغيمة رسالتها، ثم تلتها بصوتها قائلة:

“بسم الله الرحمن الرحيم..

بدايةً يطيبُ لي أن أحدّثكم عن كرم وجود الشعب، فهو شعب من عاداته الأصيله أن يُكرم ضيوفه ويُحسن ضيافتهم. ومنذ احتلال الأمريكان لأرضهم، وهم في تنافس شديد أيهم يكرمُ أولئك “الشُقر” أحسن إكرام. والكرم الأفغاني للمحتلّين الدخلاء لا يقلّ عن:

– سيارة ليس لها حجم محدّد، تكون مملوءة بما لذّ وطاب من الطحين والدقيق الخاص الذي يصنعه المجاهدون بأنفسهم، يقودها من يختاره الله نحو تجمّعات المحتلين فينثرهم نثراً على رؤوس التلال وفي بطون السهول دون أن يتطلب ذلك منهم أدنى جهد أو تجشم عناء ارتقاء تلك التلال أو انزول إلى تلك السهول، وهذا كله بعد أن يُسمّي بالله ويُكبّر.

– قالب كبير يكونُ دائرياً أحياناً، وأحياناً أخرى يكون مستطيلاً أو مُربعاً، حسب إبداع المجاهدين، يُسمى “عبوة ناسفة” تُوضع تحت أقدامهم وأقدام آلياتهم فترسلهم في رحلة قصيرة قوامها 10 إلى 20 متراً نحونا فنركلهم -كما يفعل لاعبو كرة القدم عندكم في الأرض- فيعودون للأسفل مرة أخرة وقد زاد عددهم، وقلّ حجمهم. ياللمرح! أنا وأخواتي الغيمات نحبّ هذه اللعبة ونفضلها لأنها تجعلنا نشارك المجاهدين في كرمهم.

– قذيفة تُسمى “أر بي جي” تنطلق من فم قاذف يضعه المجاهدون فوق أكتافهم فتحوّل معدّات المحتلين من شيء غير مضيء إلى شيء مضيء يتوهّج ويُشعّ الحرارة والضوء.

– قذيفة صغيرة الحجم تُسمى “رصاصة” تشق طريقها بسرعة عالية نحو رأس المحتل فتجعله ينام نومة لا يفيق بعدها ليضعه أصدقاؤه في سرير يشبه الصندوق يُسمّونه “نعش”، ثم يرسلونه إلى أهله في أمريكا، وذلك يكون أكثر أنواع النائمين حظاً!

هذه أشهر وأكثر أنواع الكرم مُزاولة لدى الأفغان لمن يحتل بلادهم.

وقد ارتقت من كونها مجرّد عادة أصيلة إلى أن صارت صلاةً سادسةً لهم، ولا يمرّ يوم دون أن يؤدّوا صلاتهم السادسة على أحسن وجه.

أما العمليات الربيعية فهي كرم من نوعٍ خاص جداً، يعلن عنه شورى قيادة المجاهدين عادةً مع بداية كل فصل ربيعي، ليختلط جمال وجه الأرض بالمجاهدين!. ولفرط كرم المجاهدين، فإنهم يخصّون المحتلين بربيعٍ مختلف عن ربيع العالمين في الأرض، فمعلومٌ أن لون الربيع -عندكم يا أهل الأرض- هو الأخضر، أما المحتلّون فيكون لون ربيعهم في أفغانستان أحمراً، ويالفخامة التميّز!. فمرة يكون الربيع بلون الفاروق (رضي الله عنه)، وأخرى بلون ابن الوليد خالد (رضي الله عنه)، وثالثة بلون خيبر، وأما الربيع في هذه السنة فعزم من أولي العزمِ والكرم!

بعد إعلان شورى قيادة المجاهدين عن هذه البشرى، انطلقتُ أنا وأخواتي الغيمات لنرى ما وقعها على نفوس المجاهدين ونفوس أعدائهم. فبدأنا أولاً بالمجاهدين، ويالعجب ما رأينا من فرحهم واستبشارهم وتشوّقهم، لقد كان الصغار قبل الكبار يعدّون الساعات والدقائق عداً وكأنهم في يوم عيد، ينتظرون خيط فجر يوم الجمعة ليفتتحوا ربيع الغزاة باللون الأحمر القاني، وكلهم يتطلّع أن يكون السابق في إرداءِ عدو دينه وأرضه، وحداؤهم: (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).

وعلى النقيض تماماً كان حال المحتلين، فكان الواحد منهم ترتجف فرائصه خوفاً، ويرتعش فكّه حتى لتكاد أسنانه تتكسّر من شدة الارتعاد بعد أن علِم بالذي ينتظره. فهذا يتظاهر بالمرض حتى يبقى في آخر الصفوف ولا يُقدّم إلى الخطوط الأمامية في أوكارهم التي يُسمّونها “قواعد عسكرية”، وآخر يتوسّل بأشد العبارات إلى مسؤوله بأن يسمح له بالعمل في مجال آخر بعيد عن العمل القتالي، وثالثٌ فقد أعصابه، فأخذ يصرخ ويبكي ويقول في عبارات مستاءة: “متى نخرج من هذا الجحيم؟”، “هؤلاء الإرهابيون كالجنّ لا نعرف متى وأين وكيف سيخرجون إلينا”، “أوباما والسياسيّون ينامون في اطمئنان وراحة ويلاعبون أطفالهم، أما نحن فنتحسّس رقابنا كل يوم ونفقد أطرافنا وعيوننا”، وعبارات كثيرة كان يرددها كالمجنون لم أتمكن من سماعها بسبب الضحك الذي اعترى أخواتي الغيمات اللاتي كن بصحبتي.

وحينما أطلّ فجر يوم الجمعة انتشر المجاهدون في الأرض وكان صوت تكبيرهم يصل إلينا وكأنما هو لحنٌ أو نغمٌ جميل لم نسمع أجمل منه قط. كنا نراهم من السماء وهم يسارعون الخطى نحو مراكز أعدائهم ليذيقوهم طعم الربيع عندما يمتزج بالعزم، كان عدوّهم عندما يسمع صوت تكبيرهم يفرّ ولا يكرّ، ويولّي الدبر خوفاً من الممات وطمعاً في الحياة، في حينِ كان المجاهدُ يهجم ويتقدّم طمعاً في المماتِ وزهداً في الحياةِ. وكنا نرى نصر الله يرافقهم في كل خطوة تخطوها أقدامهم.

إننا لنغبطُ المجاهدين على جهادهم، فنحن غيماتٌ لا نعرف كيف ننزل للأرض ونشاركهم الجهاد، غير أنّا نجتمع وأخواتنا الغيمات القريبات منا في السماء تحت طائرات عدو الله لنعمي أبصارهم وأبصار طائراتهم عن المجاهدين، فتارة ننجح ونكون سبباً لنجاة المجاهدين، وتارة لا ننجح لأن الله قد قضى منذ الأزل أنه اختار فلاناً من المجاهدين ليكون من سكان القناديل الخضر المعلّقة في عرشه الكريم، حينها ترقى روح الشهيد إلينا وهي في فرح شديد، فنبارك لها ونهنئها لنيلها هذا الشرف العظيم، ثم تستمر الروح الطيّبة في الصعود إلى السماواتِ الأُخر إلى أن تبلغ مسكنها الذي اختاره الله تعالى لها، ويالسعادة وهناء سكّان القناديل… ويالسعادة وهناء سكّان القناديل… ويالسعادة وهناء سكّان القناديل…

التوقيع: غيمة أفغانية”.