رمضان شهر الانتصارات!

ramadan shhrأقبل علينا شهر مبارك، شهر رمضان العظيم، شهر تجدد الذكريات وعهود الطهر والصفا، شهر العطاء والرحمة والرأفة والحنان والعفة والنقاء، شهر المواساة والطاعات بأنواعها، له في نفوس الصالحين بهجة، وفي قلوب المتعبّدين فرحة، وحسبه فضلاً أن أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار.
في هذا الشهر المبارك تتجلى نفوس أهل الإيمان بالانقياد لأوامر الله وهجر الرغبات والشهوات، فلاشك أن دوافع الشهوة تكمن في النفوس ودوافع الغضب والانتقام تكمن في الصدور، وفي دروب العمر خطوب ومشقات لا دافع لها إلا الصبر والمصابرة، والاستشعار بأن هذا الشهر هو شهر الصبر والمصابرة والصيام والرحمة والإنعام.

يقول أحد العلماء: وفي رمضان أنزل القرآن، كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من حكيمٍ حميد، لا تنقضي عجائبه، ولا يبلى من كثرة الترداد، إن تمسكنا به فزنا وسعدنا، وإن فرطنا فيه خبنا وشقينا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : “إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين” وقال -تعالى- : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ……) البقرة(185).
ولكن هناك أمر غفل عنه الناس في رمضان ألا وهو عدم استشعارهم أن رمضان شهر المصابرة والجهاد والفتوحات والانتصارات، فنجد الكثير من المسلمين إذا دخل رمضان اتخذوه فرصة للراحة، ونسي هؤلاء أو تناسى أن رمضان شهر المجاهدة، والصبر والفتوحات. وأن كثيراً من المعارك الشهيرة بين المسلمين والكفار وقعت في رمضان، ففي رمضان كانت غزوة بدر الكبرى التي فرق الله بها بين الحق والباطل؛ كما قال -عز وجل- : (وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )الأنفال(41). قال عروة بن الزبير في قول الله: (يَوْمَ الْفُرْقَانِ) يوم فرّق الله بين الحق والباطل، وهو يوم بدر، وهو أول مشهد شهده رسول الله، وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة، فالتقوا يوم الجمعة من شهر رمضان، وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مائة وبضعة عشر رجلاً، والمشركون ما بين الألف والتسع مائة، فهزم الله يومئذ المشركين، وقتل وأُسر منهم زيادة على سبعين، ففي هذه المعركة نصر الله المسلمين قليلي العدد والعدة على الكافرين كثيري العدد والعدة.
وفي رمضان من السنة الثامنة من الهجرة كان فتح مكة الذي بشر الله به محمداً وقال -ممتناً عليه- : )إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا * وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا( الفتح (1- 3)، ففتح الله لرسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- القلوب بنزول القرآن في رمضان، وفتح له مكة التوحيد بالجهاد في رمضان، وفي هذه الغزوة انتصر الإيمان، وعلا القرآن، وفاز حزب الرحمن، ودحر الطغيان، وكسرت الأوثان، وخاب حزب الشيطان.

عندما نقرأ الوقائع المهمة لهذا الشهر في أحقاب الدهر نجد أن:
1 – معركة بدر الكبرى: وقعت في السابع عشر من رمضان المبارك في العام الثاني للهجرة، مكَّن الله لسيوف المسلمين من رقاب أعدائهم فخرَّ الواحد منهم تلو الآخر صريعاً مُجندلاً.
2- غزوة تبوك: وقعت في شهر رمضان من السنة التاسعة من الهجرة. كانت آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففر الروم وولى المشركون رعباً.
3- فتح الأندلس: في شهر رمضان من سنة 93 هجرية. انتصر المسلمون بقيادة القائد طارق بن زياد وأقاموا الحكم الإسلامي فيها وبنوا حضارة عريقة.
4- موقعة عين جالوت: وقعت في شهر رمضان من سنة 658 هجرية. حيث هبّ الجيش الإسلامي لملاقاة جحافل التتار الذين كانوا قد انصبوا إنصباب السيل المدمر يُخربون ويُدمرون. وانتهت الموقعة بتمزيق جموع التتار وهزيمتهم شرَّ هزيمة وهناك غزوات أخرى قد كتب الله فيها النصر لعباده المؤمنين.

في غزوة بدر الكبرى كان انتصار الحق وهزيمة الباطل، وفي شأن هذه الغزوة نتصفح ظلال القرآن ونقرأ فيه: “لقد أراد الله – وله الفضل والمنة – أن تكون (غزوة بدر) ملحمة لا غنيمة، وأن تكون موقعة بين الحق والباطل، ليحق الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه. وأراد أن يقطع دابر الكافرين، فيقتل منهم من يقتل، ويؤسر منهم من يؤسر، ويُذل كبرياؤهم، وتخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام وتعلو معها كلمة الله، ويمكّن الله للعصبة المسلمة التي تعيش بمنهج الله، وتنطلق به لتقرير ألوهية الله في الأرض، وتحطيم طاغوت الطواغيت. وأراد أن يكون هذا التمكين عن استحقاق لا عن جزاف – تعالى الله عن الجزاف – وبالجهد والجهاد وبتكاليف الجهاد ومعاناتها في عالم الواقع وفي ميدان القتال .
أراد الله للعصبة المسلمة أن تصبح أمة، وأن تصبح دولة، وأن يصبح لها قوة وسلطان. وأراد لها أن تقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها. فترجح ببعض قوتها على قوة أعدائها! وأن تعلم أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة، وليس بالمال والخيل والزاد. إنما هو بمقدار اتصال القلوب بقوة الله التي لا تقف لها قوة العباد. وأن يكون هذا كله عن تجربة واقعية، لا عن مجرد تصور واعتقاد قلبي. ذلك لتتزود العصبة المسلمة من هذه التجربة الواقعية لمستقبلها كله; ولتوقن كل عصبة مسلمة أنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أن تغلب خصومها وأعداءها مهما تكن هي من القلة ويكن عدوها من الكثرة; ومهما تكن هي من ضعف العدة المادية ويكن عدوها من الاستعداد والعتاد. وما كانت هذه الحقيقة لتستقر في القلوب كما استقرت بالمعركة الفاصلة بين قوة الإيمان وقوة الطغيان.
وينظر الناظر اليوم، وبعد اليوم، ليرى الآماد المتطاولة بين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها يومذاك وما أراده الله لها. بين ما حسبته خيراً لها وما قدره الله لها من الخير. ينظر فيرى الآماد المتطاولة، ويعلم كم يخطئ الناس حين يحسبون أنهم قادرون على أن يختاروا لأنفسهم خيراً مما يختاره الله لهم، وحين يتضررون مما يريده الله لهم مما قد يعرضهم لبعض الخطر أو يصيبهم بشيء من الأذى. بينما يكمن وراءه الخير الذي لا يخطر لهم ببال، ولا بخيال!
فأين ما أرادته العصبة المسلمة لنفسها مما أراده الله لها؟ لقد كانت تمضي – لو كانت لهم غير ذات الشوكة – قصة غنيمة. قصة قوم أغاروا على قافلة فغنموها! فأما بدر فقد مضت في التاريخ كله قصة عقيدة. قصة نصر حاسم وفرقان بين الحق والباطل. قصة انتصار الحق على أعدائه المدججين بالسلاح المزودين بكل زاد، والحق في قلة من العدد، وضعف في الزاد والراحلة. قصة انتصار القلوب حين تتصل بالله، وحين تتخلص من ضعفها الذاتي. بل قصة انتصار حفنة من القلوب من بينها الكارهون للقتال! ولكنها ببقيتها الثابتة المستعلية على الواقع المادي، وبيقينها في حقيقة القوى وصحة موازينها، قد انتصرت على نفسها، وانتصرت على من فيها، وخاضت المعركة والكفة راجحة رجحاناً ظاهراً في جانب الباطل، فقلبت بيقينها ميزان الظاهر، فإذا الحق راجح غالب.
ألا إن غزوة بدر – بملابساتها هذه – لتمضي مثلاً في التاريخ البشري. ألا وإنها لتقرر دستور النصر والهزيمة، وتكشف عن أسباب النصر وأسباب الهزيمة. الأسباب الحقيقية لا الأسباب الظاهرة المادية. ألا وإنها لكتاب مفتوح تقرؤه الأجيال في كل زمان وفي كل مكان، لا تتبدل دلالتها ولا تتغير طبيعتها. فهي آية من آيات الله، وسنة من سننه الجارية في خلقه، ما دامت السماوات والأرض. ألا وإن العصبة المسلمة التي تجاهد اليوم لإعادة النشأة الإسلامية في الأرض – بعد ما غلبت عليها الجاهلية – لجديرة بأن تقف طويلاً أمام [ بدر ] وقيمها الحاسمة التي تقررها، والأبعاد الهائلة التي تكشفها بين ما يريده الناس لأنفسهم وما يريده الله لهم. إن العصبة المسلمة التي تحاول اليوم إعادة نشأة هذا الدين في دنيا الناس وفي عالم الواقع، قد لا تكون اليوم من الناحية الحركية في المرحلة التي كانت فيها العصبة المسلمة الأولى يوم بدر. ولكن الموازين والقيم والتوجيهات العامة لبدر وملابساتها ونتائجها والتعقيبات القرآنية عليها ما تزال تواجه وتوجه موقف العصبة المسلمة في كل مرحلة من مراحل الحركة، ذلك أنها موازين وقيم وتوجيهات كلية ودائمة ما دامت السماوات والأرض، وما كانت عصبة مسلمة في هذه الأرض، تجاهد في وجه الجاهلية لإعادة النشأة الإسلامية.
لقد كانت غزوة بدر – التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده – فرقاناً. فرقاناً بين الحق والباطل – كما يقول المفسرون إجمالاً – وفرقاناً بمعنى أشمل وأوسع وأدق وأعمق كثيراً. كانت فرقاناً بين الحق والباطل فعلاً. ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وقامت عليه فطرة الأشياء والأحياء. الحق الذي يتمثل في تفرد الله – سبحانه – بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وفي عبودية الكون كله: سمائه وأرضه، أشيائه وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة ولهذا السلطان المتوحد، ولهذا التدبير وهذا التقدير بلا معقب ولا شريك. والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك، ويغشي على ذلك الحق الأصيل، ويقيم في الأرض طواغيت تتصرف في حياة عباد الله بما تشاء، وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء !. فهذا هو الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر، حيث فرق بين ذلك الحق الكبير وهذا الباطل الطاغي، وزيل بينهما فلم يعودا يلتبسان!
لقد كانت فرقاناً بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق، على أبعاد وآماد، كانت فرقاناً بين هذا الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير. فرقاناً بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور، وفي الخلق والسلوك، وفي العبادة والعبودية، وبين الشرك في كل صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات.
وكانت فرقاناً بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر كذلك. فرقانا بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء، وللقيم والأوضاع، وللشرائع والقوانين، وللتقاليد والعادات. وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره ولا متسلط سواه ولا حاكم من دونه، ولا مشرع إلا إياه. فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله، وتساوت الرؤوس لا تخضع إلا لحاكميته وشرعه، وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة”. والله ولي المؤمنين. صدق الله العظيم.