شهداؤنا الأبطال: الطيار الاستشهادي، البطل الهصور، الشهيد الضرغام، العقيد (أحمد جُل) رحمه الله

أبو محمد   حياة الشهداء الأبطال حياة مفعمة بالإيثار والتضحية والفداء، ولكن حياة بعضهم أكثر إيثارًا وأعمق تضحية وفداءً، كلٌ حسب استطاعته؛ لتقويض دعائم الاحتلال الجاثم على صدور الشعب الأفغاني، وترسيخ قوائم الإمارة الإسلامية التي أُرخِص لها من المُهج والأرواح ما الله به عليم. وقد اخترنا لكم في هذا العدد حياة شهيدٍ بمعنى الكلمة، أعدّ […]

أبو محمد

 

حياة الشهداء الأبطال حياة مفعمة بالإيثار والتضحية والفداء، ولكن حياة بعضهم أكثر إيثارًا وأعمق تضحية وفداءً، كلٌ حسب استطاعته؛ لتقويض دعائم الاحتلال الجاثم على صدور الشعب الأفغاني، وترسيخ قوائم الإمارة الإسلامية التي أُرخِص لها من المُهج والأرواح ما الله به عليم.

وقد اخترنا لكم في هذا العدد حياة شهيدٍ بمعنى الكلمة، أعدّ واستعدّ لعمليته البطولية لنفسه ولوحده سنوات وسنوات، حتى صار مضرب المثل في الحنكة والصبر والثبات والإعداد، وحفر اسمه في قائمة أبطال التاريخ وصناديد الأمة، وأثبت لشباب الأمة ومجاهديها الأفذاذ أنّ التخطيط العميق والدقيق والإعداد الطويل والصبر الجميل؛ أعمق أثرًا وأثخن على العدوّ المحتل، وسنتكلم عن هذا أكثر وأكثر، ولكن تعالوا نتعرّف بداية على شهيدنا البطل المغوار من هو وأين أبصر النور.

 

من الطفولة إلى كلية الطيران

أبصر (أحمد جُل) النور،عام 1344هـ.ش في ولاية كابل في مديرية ده سبز، وأسرة محمد جل تره خيل. كان أحمد منذ بداية طفولته، إلى جانب قواه الجسمية، يملك مزايا أخرى حسبما يحكي أقاربه، حيث أنعم الله تعالى عليه بوجه مشرق وجاد، ومفاصل قوية وجوارح رشيقة، وعينين سوداوين، وبشرة جميلة، ومنّ عليه بإرادة حديدية وعزم راسخ في كافة شؤون الحياة.

لمّا مرت أربع سنوات من عمره المبارك، تتلمذ على إمام الحي الذي كان يسكنه، كأوّل مدرس للعلوم الدينية، وبدأ يتعلم ويرتل كلام الله بلغته الطفولية العذبة. ومن تلك اللحظات بدأ قلبه ينبض بالإيمان ويتدفق صدره بالعاطفة الدينية والوطنية.

وبما أن والد (أحمد جُل) كان يعمل مسؤولاً حكومياً في الحكومة الملكية في ذلك الوقت، فقد كان عمره 6 سنوات عندما انتقل والده من قرية تره خيل إلى مركز مدينة كابول، وبسبب هذا الانتقال، تحوّل (أحمد جُل) عن تعلم العلوم الدينية في مسجد الحي إلى تعلم العلوم الابتدائية في المدرسة المتوسّطة في مدينة كابول.

بعد أن أكمل أحمد تعليمه الثانوي عام ١٣٥٤هجرية، التحق بجامعة كابول العسكرية وتخرّج فيها بعد ثلاث سنوات من الدراسة. ثم التحق بكلية الطيران، ولأنه كان يحب مهنة الطيران اختار أن يصبح طيارًا.

 

نسائم الإيمان تهب على قلبه

يقول أصدقاء وأقارب الطيار (أحمد جُل): في العهد الأول لإمارة أفغانستان الإسلامية، عندما بدأ (أحمد جُل) مهمته الرسمية كطيار مع إمارة أفغانستان الإسلامية، كان يراقب عن كثب تدينهم ووطنيتهم، وقد حدث نتيجة ذلك تغيير جوهري في أسلوبه، ووجوده، وصارت كل علاقته تنحصر في المسجد، والأحكام الدينية والعلماء.

تقول عائلته: أحدث الشهيد (أحمد جُل) بعد ذلك تحولًا عميقًا في شؤون عائلته، حيث وجّه جميع أبنائه نحو التعليم الديني وحب الدين، وأصبح هو بنفسه شخصًا متدينًا ومحبًا لله تعالى. وكان يؤدي جميع صلواته مع الجماعة، ولا يترك حتى التعاليم الفرعية للدين.

وعندما تعرضت البلاد للاحتلال الأمريكي الغاشم، وتم إسقاط الإمارة الإسلامية ظلمًا وجورًا، استقال الشهيد (أحمد جُل)، مثل الآلاف من المسلمين الآخرين الذين كانوا يخافون الله تعالى من المهام الحكومية في ظل الاحتلال، وانخرط في حياته الطبيعية في المنزل. وخلال فترة ترك الخدمة طُلب منه القيام بأداء الواجب عدة مرات، لكنه رفض ذلك.

ثم بعد مرور بعض الوقت، بناءً على دافع داخلي وإرادة سرية لا يعلمها إلا الله، عاد إلى مهنة الطيار مرة أخرى، وكشف سر قلبه الخفي أمام العالم كله في اليوم الأخير من حياته.

 

التحليق في الآمال السامية

يقول أصدقاء الشهيد العقيد (أحمد جُل): رغم أنه كان يتولى مهمة حكومية رسمية، إلا أنه بعد الاحتلال والعدوان الأمريكي، كان غارقاً في أمواج مضطربة من فكرة عميقة جداً، وكان يعاني من أوضاع بلاده المأساوية، وما يعانيه شعبه من قصف وقتل وتدمير، وكان ينال في مجالسه من الاحتلال الأمريكي وأعوانه وغطرستهم وتكبرهم، وكان يقول: المحتلون الأمريكيون أكثر استكبارًا من الروس الظالمين، فالروس لم يكونوا يتدخلون في شؤوننا الداخلية إلى هذا المستوى ولم يكونوا يحتقروننا، لكن الجنود الأمريكيين يعاملون أشخاصًا مثلي، ممن يخدمون في القطاع العسكري في بلادهم، معاملة العبيد، فكيف يعاملون المواطنين العاديين من الشعب الأفغاني؟

كان العقيد (أحمد جُل) يقوم بواجبه، بالقرب من مطار كابول، في المطار العسكري التابع لأحد الفيالق العسكرية، وكان يغادر منزله في الصباح ويعود إلى منزله في كابول ليلاً. يقول زميله في المدرسة الثانوية (الأخ صافي من سكان تغاب) والذي كانت تربطه علاقة عميقة أيضا بعائلة (أحمد جُل): قبل أسابيع قليلة من استشهاد (أحمد جُل)، قمت بدعوته إلى منزلي، فكنت منخرطاً في نقاشات معه، لكنه كان عميق التفكير، ولم يكن يتحدث بحرية كعادته إذا تكلم، فكان يتحدث فقط عن الاحتلال العسكري الأمريكي ويقول: لقد احتلوا بلادنا وفي وطننا المسلم يقصفوننا من كل زاوية، ليست لدينا أي خيرة ولا احتجاج، وإنما نكتفي بأخذ رواتبنا نقدا.

يقول صافي: كلام (أحمد جُل) كان مختلفا في نظري، لكني لم أناقشه أكثر، وفي الصباح، عندما كنت أودعه، على عكس أيام التوديع السابقة، قال لي في ذلك اليوم بإصرار شديد: صديقي العزيز، لم نقطع رباط الحب والصداقة منذ الطفولة حتى اليوم، أتمنى أن تسامحني ولا تنساني من دعائك الطيب.

يقول صافي: لقد فوجئت جدًا عندما سمعت كلام (أحمد جُل)، ولم أقل شيئًا ردًا عليه، ولكني أشفقت عليه حبًا ورحمة.

والآن سنروي بقية القصة على لسان هذا الصديق الذي ذهب إلى بيت (أحمد جُل) بعد استشهاده، وشرح له ابنه القصة كاملة من الألف إلى الياء:

 

آخر ليلة في الدنيا ولحظات الوداع

كانت ليلة الأربعاء 27 أبريل 2011م، آخر ليلة في حياة العقيد (أحمد جُل) في الدنيا. تقول زوجته: في تلك الليلة، كان (أحمد جُل) في حالة مختلفة، قام بعد أداء صلاة العشاء بالنوافل لمدة طويلة، ثم بدأ بتلاوة كتاب الله تعالى إلى منتصف الليل، ثم أمرني بالنوافل بعد التلاوة، ثم استراح. ولكن عندما استيقظتُ في منتصف الليل وجدتُ (أحمد جُل) يدعو الله عز وجل ويرفع يديه نحو حبيبه في السماء، يدعوه ويتضرع إليه إلى أن طلع الفجر.

عندما طلع الفجر اتّجه أحمد حسب عادته اليومية نحو المسجد بنية أداء الجماعة، ثم أقبل على تلاوة كتاب الله تعالى إلى أن أحضرتْ زوجته الفطور، لكن هذه المرة اكتفى أحمد خلافا لعادته المعروفة بشرب كوب واحد فقط من الحليب، وقال لزوجته: إنه لا يرغب في تناول الفطور (حتى لا ينتفخ جسمه بعد استشهاده ولا يسخر الأعداء منه: كيف انتفخ جسم هذا الذي يظنّ بأنه استشهد).

ثم أمر ابنته أن تحضر له الماء الساخن للاستحمام. وبعدما أصبح الماء جاهزًا دخل الحمام واستحم وتطيّب.

بعد دقائق قليلة جلس مع زوجته وأولاده، وكان يعانق ويقبل طفله الصغير في كل مرة.

وعندما رأت زوجته حركات زوجها غير العادية؛ سألته: هل أنت بخير اليوم، نراك في حالة مختلفة، هل هناك من مشكلة؟

أجاب أحمد بابتسامة: لا، لا مشكلة هنا، أشعر اليوم براحة أكبر من أي يوم آخر. ثم أخبر زوجته وابنه الكبير أبو بكر الصاحبي (وهو الآن السكرتير الأول في سفارة الإمارة الإسلامية لدى طهران) عن قصده وإرادته، وقال لهم: لا تحزنوا ولا تقلقوا، نعم ربما تأتي عليكم بعض المشاكل ولكنها لن تدوم، ثم ترون الرخاء والنعيم، وإني أرى بأنكم ستركبون السيارة الفارهة الفخمة تنقلكم من هنا إلى هناك.

ثم قام أحمد وارتدى بدلته العسكرية وأخرج مخازن مسدسه ونظفها ورتبها مرة أخرى. وعند اقتراب موعد المغادرة لأداء واجبه، أرادت ابنته كنس وتنظيف سيارة والدها مثل كل يوم، لكنه قال لها إنه من الأفضل أن تكون مغبرة، ولا حاجة إلى تنظيفها اليوم.

في اللحظات الأخيرة، عانق ابنه الصغير وقبّله مرارًا وتكرارًا، حتى أنه ركب السيارة ثم نزل منها وعاد ليقبل ابنه الصغير. ومرة أخرى نظر نظرته الأخيرة إلى عائلته وأطفاله بفكر عميق ومعقد للغاية ثم انطلق، بل سارع إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

 

كابل تشهد العملية البطولية:

خرج العقيد (أحمد جُل) من المنزل بزيّ عسكري خاص، ومسدس متطور، ومخازن مليئة بالرصاصات، ولا يعلم إلا الله في أي قمم عالية كان يحلق ذهنه آنذاك. لكنه بدل القيام بواجبه، اتجه مباشرة إلى مقر فيلق الجيش، وكان في هذا المقر مكان خاص لاستقرار المستشارين الغربيين من الإدارة التعليمية والقيادية للشؤون الجوية.

أوقف (أحمد جُل) سيارته ودخل مباشرة إلى المكان المذكور للمستشارين الغربيين.

وبحسب ما أفاد شهود عيان؛ صوّب (أحمد جُل) مسدسه أولاً نحو الحارس الغربي المتمركز عند بوابة المقر وأطلق النار عليه. ولما رأى ٩ مستشارين أجانب آخرين رفيعي المستوى رجلاً مسلحاً يأتي نحو غرفتهم، وقتل حارسهم، حسبوه أنه استشهادي بسترة ناسفة يفجر نفسه عليهم، فاستلقوا على الأرض لحماية أنفسهم من المتفجرات، وفي انتظار أن تنفجر السترة، لكن (أحمد جُل) الذي كان قد ملأ مخازن مسدسه وكان ينتظر مثل هذه اللحظة، بدأ يطلق رصاصة واحدة تلو الأخرى على رؤوس كل واحد من المستشارين الأجانب إلى أن أهلكهم جميعا.

وهناك رواية بأنّ الشهيد عندما قتل هؤلاء المستشارين التسعة، وجد امرأة أمريكية أيضًا فصوّب مسدسه نحوها، فقالت: إننا سمعنا بأنّ الأفغان فيهم غيرة، لا يقتلون النساء، فانصرف عنها، فلمّا أدار ظهره، أخرجت تلك العسكرية الأمريكية مسدسّها وأطلقت نحوه فأردته قتيلًا، تقبله الله وأسكن روحه في الخالدين.

 

دفن جثمان البطل بصيحات التكبير:

بعد هذه العملية المباركة القوية أدمى (أحمد جُل) وجهه المشرق والجميل بدماء الاستشهاد الدافئة، وارتدى ملابسه الجوية لتكون آخر ملابسه.

سقط جثمان الشهيد في أيدي الأمريكان المحتلين، لكنهم حسب دأبهم، لم يسلموا الجثمان إلى أهله لمدة أسبوع واحتفظوا به عندهم.

اعتاد الأمريكان المحتلون كثيراً على إبقاء جثامين الشهداء والشيوخ المجاهدين لديهم مدة طويلة، ولم يكونوا يسلمونها لذويهم؛ رجاء أن تفوح منها رائحة غير طيبة، ليأخذ منها عامة الناس رسالة خاطئة عن المجاهدين.

لكن مثل أكثر الشهداء لم تصدر رائحة غير طيبة من جسد أحمد، بل ازداد طراوة ونضارة وطيبا مع مرور الزمن، وكانت الرائحة الزكية تفوح في الأجواء.

تم تسليم جثمان الشهيد (أحمد جُل) إلى عائلته في الليلة الثالثة من شهر مايو، على شرط أن يقوموا بدفنه ليلاً، لكن أهله الغيورين وأقاربه انتظروا حتى الساعة الثامنة صباحاً حتى حضر جمع من الأهالي والعلماء المشهورين من كابول ومناطق أخرى، وشاركوا في صلاة الجنازة عليه، ثم دفن جثمان الشهيد في مسقط رأسه وبلدة آبائه وأجداده.

يقول شهود عيان: شارك في صلاة الجنازة ما يقرب من ١٥ ألف مصل، ووُري جثمان هذا البطل العظيم الثرى، وسط هتافات المصلين وصيحات تكبيراتهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

سقى الله ثراه وجعل الجنّة مثواه.