شهداؤنا الأبطال: بقية من الفاتحين؛ الشهيد أيوب راکتي

أبو یحیی البلوشي   لقد امتازت الأمّة الإسلامية عبر القرون الماضیة بتقشف أبنائها البررة وزهدهم في الدنیا وزهرتها، فکانوا یتمتعون من الدنیا بقدر الحاجة، ویکتفون بملابس خشنة ورغیف خبز وغرفة ماء، فاستطاع أبناءها ومجاهدوها بزهدهم أن یدمّروا الجیوش العارمة بعدد قلیل في حروب طاحنة. إن هذا التقشف والتخشن في الأطعمة والملابس وعدم الرغبة في التنعّم […]

أبو یحیی البلوشي

 

لقد امتازت الأمّة الإسلامية عبر القرون الماضیة بتقشف أبنائها البررة وزهدهم في الدنیا وزهرتها، فکانوا یتمتعون من الدنیا بقدر الحاجة، ویکتفون بملابس خشنة ورغیف خبز وغرفة ماء، فاستطاع أبناءها ومجاهدوها بزهدهم أن یدمّروا الجیوش العارمة بعدد قلیل في حروب طاحنة.

إن هذا التقشف والتخشن في الأطعمة والملابس وعدم الرغبة في التنعّم والراحة ما ميّز أجیال القرون الأولی التي تربّتْ علی یدي النبي الکریم -صلى الله عليه وسلم- ثم انتقل منهم إلی الأجیال القادمة جیلا بعد جیل، کل جیل أتى بعد ذلك، لم يكن یرغب في الدنیا الفانیة، فیقوم إلی میادین الجهاد والکفاح ویقاوم الظلم والبغي ویحارب الکفر ویسعی لیکون الدین کله لله وتكون كلمة الله هي العليا.

لكن المسلمين مع الأسف علی مرّ الأیام وکرّ اللیالي، بدأوا یتجردون من الفروسیة شيئا فشيئا، لا سيما بعد سقوط الخلافة العثمانية، فبدأوا یتجردون من أخلاق تلك الأمم الفاتحة، ففشت فیهم الرخاوة والرقة، وأخلدوا إلی الراحة والتنعّم، وضعفتْ فیهم الحمية الإسلامية والغیرة الدینیة، فکان الغزاة والمحتلون یبتلعون بلاد المسلمین بلدا بعد بلد، وقطعة بعد قطعة، وهم منغمسون في شهواتهم، عاکفون علی لذاتهم، لا یحرك ذلك فيهم ساکنا ولا یقض لهم مضجعا. وتفاقم هذا الداء إلى أن بدأوا ینظرون إلی حیاة الفروسیة والفتوة وإلی السلاح وعدة الحرب بعین الاحتقار والازدراء، ویعتبرونها شعارا للجهال والأجلاف ورعاع الناس، ویعتقدون أن ذلك لا یجتمع مع العلم والعبادة والوقار!

في مثل هذه الظروف القاسیة قيض الله تعالى من صلب الأفغان، رجالا میّزهم بصفتین من صفات رجال القرون الأولی؛ الأولی حیاتهم الخشنة وتقشفهم والخوض في معترك المشكلات والمغامرات. والثانية؛ شغفهم بالإعداد وحمل السلاح وتعلم أنواع السلاح وعدة الحرب وتعلیمها، في زمن صار حمل السلاح فیه عاراً في أرجاء العالم الإسلامي.

 

هنا وبعد التأخر عن كتابة سلسلة (شهداؤنا الأبطال)؛ بدأت أکتب کلیمات عن بطل مغوار، ترك حیاته المتنعمة المرفّهة لیلتحق بمیادین الجهاد ویسطر في التاریخ صفحات من الرجولة والبطولة، لیرحل إلی جنان الرحمن، بعد رحلة طویلة شاقة في أراضي الجهاد، مروراً ابتلاءات عظیمة لا یتحملها إلا من خلع ربقة الدنیا من عنقه وقدّم نفسه النفیسة لدین الله عزّ وجلّ؛ وهو الشهيد عبد الكريم المعروف بأيوب.

ولد الشهيد عبد الكريم في دیار الهجرة بسبب الظروف القاسیة ولهيب الفتن التي أشعلها الصلیبیون مع عملائهم في أفغانستان الحبیبة. ولد في أسرة فقیرة یُحترم فیها الوالد، ویُربی فیها الولد تربية إسلامیة. وفي عمر التعلم، التحق بمدرسة دینیة لیرتشف من مناهل النور وینابیع القرآن الفیاضة وبدأ بحفظ القرآن الکریم، فحفظه في سنوات قلیلة. ثم التحق بقسم دراسة العلوم الدینیة.

کان من سماته زمن الدراسة مراعاة أدب أساتذته والولع الزائد بخدمتهم. ومع هذا کان مداعبا فرحا مفرحا یداعب أصدقاءه، ویقلل فیهم الشعور بالحزن والکآبة وینقل لهم البهجة والسرور.

کان یخدم الأساتذة ویرافقهم إلی بیوتهم لیحمل أمتعتهم ویشتري حوائجهم ویکسب رضی الرحمن بالخدمة في سبیله‌. هکذا قویت مادة الأدب والخدمة فیه منذ الصغر وتربّی علیها مع مداعبته لأصدقائه إلی حدّ بالغ.

 

عبدالکریم یلتحق بمیادین النضال

سمع الشهید في المدرسة عن جهاد أفغانستان، ففکّر‌ في الأمر ولم یتردد حتی التحق بمیادین الجهاد سنة 1430هـ تقریبا. فانخرط في سلك الجهاد عندما کان شابا یافعا لیقدم روحه فداءً لدین الله عزّ وجل ونصرة لشریعته التي داستها أقدام المحتلین في أفغانستان.

تمّ إغلاق معسکر‌ الشهید في تلك السنة؛ فرجع إلی بیته لمواصلة الدراسة، ولکنه ما لبث أن عاد إلی میدان الجهاد مرة أخری لیواصل کفاحه في سبیل طموحاته. وبعد سنوات قلیلة ترك الشهید الدراسة ووجد ضالته في میدان الجهاد، فالتحق بساحات الجهاد لیبقی هناك حتی الاستشهاد.

تدرب الشهید على الأنواع المختلفة من الأسلحة والمتفجرات في فترة الجهاد على أيدي أساتذة بارعين في منطقة (بهرامجة) بهلمند. وکان ذا مهارة فائقة في البارود. ومن خصائصه الممیزة له، أنه لأخوّته بالشهید الأستاذ یاسر؛ تعلم ضمن دراسة الباورد بعض الصیغ منه التي اکتشفها الشهید بنفسه عبر تجاربه في تعلم البارود من الکتب واستعماله عن کثب.

کان الشهید زاهداً في الدنیا لا یمتلك منها إلا شیئا قلیلا وقاذفة آر بي جي ومسدسا، ولم یکن له نصیب من هذا الدنیا الفانیة إلا الجهاد في سبيل الله ودعاء أم بلغت من العمر عتیا.

اشتهر الشهید بعد فترة من دخوله أراضي الجهاد باسم (أستاذ راکتي)؛ أي أستاذ قاذفة آر بي جي، فکان لا يخطئ رمیه بالقاذفة ويصيب هدفه لا محالة. حتی أنه خرج مع مجموعة من المجاهدین في رحلة جهادیة إلی ولاية (فراه) وكانوا یذکرون قصص (أستاذ راکتي)، فذکر لهم شهیدنا البطل أنه هو أیوب راکتي.

وجدير بالذكر أن الفضل یرجع في أنه صار أستاذاً لقاذفة آر بي جي، إلى الشهید الأستاذ یاسر أیضا، حیث کان یقوم بتدريب الشهید أیوب لیرمي الأهداف المُعدّة بقاذفة آر بي جي.

ولا غنی عن الذکر أن المجاهدین یطلبونه في العملیات، لیأتي من مناطق بعیدة ویشترك في عملیات صعبة وحساسة.

مرّة اتصل المولوي عبدالله عارف -أحد قادة المجاهدین في ولاية نیمروز- بالشهید لیأتي من هلمند لیشترك في عملیة کان مركز العدو بجانب بیوت الناس، فکان لا یری المولوي عارف هذه المهارة إلا في أیوب، وطلبه من هلمند رغم طول الطریق وخطره.

 

الشهید یستعمل قاذفة آر بي جي لأول مرّة

سافر الشهید أیوب مع الأستاذ راشد -الأستاذ البارز الحاذق في البارود- إلی محافظة غزني، بطلب من مجاهدي غزني، لتعلیم المجاهدین البارود وللاشتراك في العملیات الجهادیة معهم.

سافروا بالدراجات الناریة من نیمروز إلی غزني. وهناك کانوا في حل وترحال مع المجاهدین، وفي کر وفر بین العملیات ضد ثکنات الأعداء. من طبیعة الولايات ذات الجبال أن المجاهدین کانوا یستعملون الدراجات الناریة للعملیات، خلافا لمجاهدي الجنوب حیث کانت الدراجة تستعمل في مناطق الجنوب ولکن أقل من المناطق الجبلیة الوعرة.

وفي بداية استعمال الشهيد الفعلي لسلاح الآر بي جي في المعارك؛ كان الشهید مشتركا مع الأستاذ راشد في إحدى العملیات، وکان الأستاذ راشد هو السائق، فطلب أمیر المجموعة حاملاً لقاذفة آر بي جي في المعركة، ولکن نظرا إلی أن الأستاذ راشد کان هو السائق، فکان من الضروري أن یکون الشهید عبدالکریم (أیوب) هو حامل القاذفة، لکنه أبی، وقال: رغم أني تعلمت کیفیة استعمال هذا السلاح في المعسکر، إلا أني لم استعمله في الحرب. لکن بعد إلحاح الأستاذ راشد وتحریضه، قبِل أیوب أن يحمل هذا السلاح. ومن هنا بدأ دوره الجدید في استعمال قاذفة آر بي جِي.

ولا غنی عن الذکر أن الشهید کان أستاذا في استعمال الأسلحة الثقیلة والخفیفة لتعلمه في فترة بدایة رحلته الجهادیة، لکنه کان یشتاق لاستعمال آر بي جي وأجاد استعماله حتی اشتهر بهذا السلاح.

في فترة من حیاته الزاخرة بالإقدام، کان الشهید یداعب إخوانه المجاهدین لکنه یحمل همّا عظیما في قلبه، کان فرحا بشوشا ظاهرا، لکن فراق الأحبة أتعبه جداً. روی أحد الإخوة قائلا: إننا لم نجد الشهید یوما ما محزونا مغموما، لکن في إحدی اللیالي عندما صحبته أنا وأحد الإخوة بدأ یحکي عن تعبه وشدة ألم فراق صدیقه الحنون الأستاذ یاسر -رحمه الله- وعن کیفیة استشهاده حیث استشهد أمام أعین الشهید أیوب بتفجیر قنبلة ملغومة.

وبتعبیر مجاهد آخر فإن الشهید أیوب تغیرت أحواله بعد استشهاد یاسر، وکان رغم مداعبته وفرحه مهموما مستغرقا في أفکاره، وکان يشتاق أن تنتهي رحلته الجهادیة سریعا فیلتحق بالشهداء البررة.

کان الشهید یعتزل بعض الأیام في غرفة خاصة له بعیدا عن غرفة المجاهدین، لینفرد بالعبادة والدعاء أمام خالق الأکوان ویتضرع له بقلب شغوف بالشهادة في سبیله.

کان الشهيد -رحمه الله- ذا حماسة شدیدة، حيث في لیلة من اللیالي قبل أن تبدأ العملية، خلع قمیصه وانتظر في ولع واشتیاق أن تبدأ العملیة و تُشعل النیران علی أعداء الله. ووفقه الله أن یسطر بطولات في هذه العملیة ضد العدو.

کان لا یشتغل بالدنیا، وكان جل اهتمامه بالإعداد وتعلم الأسلحة من الأنواع المختلفة وتعلیمها للمجاهدین، وکان یدرب الإخوة بمسدس له وکان یشتري الرصاصات للتدریب خاصة.

وکان یزهد في الدنیا ولا یمتلك مالا یفتخر به ولا شیئا کثیرا من الدنیا، إلا مسدسا وقاذفا یستعملهما في الجهاد في سبیل الله. وکان بقیة من الفاتحین حقیقة، وخیر خلف لخیر سلف.

 

استشهاد أیوب تقبله الله

عن لیلة استشهاده، يقول أمير المجموعة (بهلوان زبیر) أحد أبرز مجاهدي ولاية نیمروز:

کنت مشغولا بتوزيع الإخوة قبل العملیة وتعیین أماکنهم ومواضعهم. بدأت أوزع الإخوة وأجلت نظري فلم أجد الشهید، فبحثت عنه، وکان خلف السیارة مستلقیا، فنادیته وسألته: هل أنت تعبان؟ فأجاب بـ‌ لا. وأضاف: هذه اللیلة أشعر بطمأنینة وسکون بالغ.

وزعت الإخوة إلى فريقين؛ فريق أقوده أنا، وفريق آخر یقوده أیوب. بدأت المعركة وتقدم الإخوة، وکاد مرکز العدو أن یسقط؛ حیث تم قتل جمیع الجنود، إلا أنني عندما تقدمت رأیت أیوب ملقًى علی الأرض ونادیته فلم يجب، فأطلق جندي مجروح للعدو علي النیران فأصابني بطلقات. وبعد جهد جهید أوصلت نفسي إلی الإخوة وأخبرتهم أن أیوب جُرِح. ومن سوء الحظ وصلت قافلة إمداد العدو واضطررنا إلى الانسحاب، وبقي الشهید في مرکز العدو. انتهی کلامه.

 

ألقی الشهید عصا الترحال لیلة 26 من شهر محرم الحرام سنة 1440ه‍‌ـ، في منطقة (جخانسور) بولاية نیمروز في العملیة ضد العملاء في مرکز (کمین‌ جاه) للعدو. وطارت روحه إلی العلیین لیخلد في جنان الرحمن برفقة الشهداء من أصدقائه وعلی رأسهم الشهید البطل الأستاذ یاسر والشهید سامان تقبلهم الله في جنانه.

أظهر العدوّ همجیته بعد استشهاد البطل؛ فأهانوا جثته وربطوه علی مدرعة وطافوا به في المديرية. لکن لا یضره أن العبید أهانوا جثته وملائکة السماء -إن شاء الله- استقبلوه، ولا تؤثر فیه همجیة العدو إذا کانت روحه عند ربه تحت عرشه.

سمعت ممن أثق بهم أن هذه المدرعة مع من أهان جثة الشهید من الجنود هلکوا إثر انفجار قنبلة في طریق رجوعهم من مرکز الولاية نحو المدیریة یوما بعد هذه القصة، فأهلکهم الله وخذلهم.

إن الشهداء، منارات من النور حقا، یضیئون الطریق للقاعدین والمجاهدین ویکونوا سببا لشفاء غلیل صدور من ینتظرون الشهادة، فتقبل الله منهم تضحیاتهم وفدائيتهم.

لقد کان الشهید أسوة للمجاهدین، فطارت روحه إلی علیین. وبقینا نحن نجني ثمار دمائهم في ظل هذه الحکومة الإسلامية التي قامت بدماء آلاف من المجاهدین، فاللّهم اجعل إمارتنا قائمة علی الشریعة، دائمة في البلاد، ناصرة للمظلومین، وثبّتْنا علی الشریعة الغراء، واحفظنا مِنْ أنْ نخون دماء إخواننا الشهداء من المجاهدین الذين قضوا نحبهم.