طالبان.. والعمل السياسى – الربيع في أفغانستان له طعم آخر

# تأمل الولايات المتحدة في الوصول إلى حالة ” هزيمة بلا انهيار” بعد أن عاشت مرحلة ” نصر بلا حرب”.
# السوفييت ثم الأمريكيون عملوا على إضعاف القبائل في أفغانستان لصالح الأحزاب المصطنعة.
# القبائل في أفغانستان كانت على مر العصور محضنا للإسلام وحصنا للدفاع ضد الغزاة.
# جميع الأحزاب في أفغانستان ارتبطت بالغزو الخارجي السوفيتي ثم الأمريكى.
# في قتالها ضد الإمارة الإسلامية استأجرت الأحزاب “الجهادية!!” مرتزقة روس وتحالفت مع ميليشيات  “جلم جم” الشيوعية ثم قاتلت في طليعة الغزو الأمريكى.
# أحزاب كابل متمسكة بالاحتلال الأمريكى وتستمد وجودها من وجوده.
# الحزبية هى نتاج حضارة الغرب وتعبر عن معتقداته وأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية.
# أنظمتنا الديمقراطية لابد أن تكون تابعة أومرتبطة عضويا بإسرائيل والولايات المتحدة، ولهذا يصرون على فرضها على بلادنا بقوة السلاح أو بالخديعة والغواية.
# الشعارات البراقة / حتى ولو كانت بصياغة إسلامية / لايمكن لها أن تخفي الطبيعة الصهيونية والإمبريالية للنظام الديموقراطي، فعند قمة الهرم الديموقراطي يجلس كبار مكتنزى الأموال من صهاينة وصليبيون جدد.
# أحزاب الإسلام السياسى ساهمت في تجريف الإسلام وتفريغه من محتواه.
# الشعار الإسلامى في الاقتصاد ليس بديلا عن إنشاء اقتصاد قوى وفق رؤية إسلامية صحيحة، تراعى العدالة الاجتماعية وتوفر الأمن الغذائي. ولهذا فإن اقتصاد السوق الذى يطرحه الغرب لا يتوافق مع المفهوم الإسلامي للاقتصاد.
# اقتصاد السوق أكذوبة اقتصادية كما أن الديموقراطية أكذوبة سياسية.
# اقتصاد السوق هو الأساس الاقتصادى لمهزلة الديموقراطية، ولا يمكن لأحدهما القيام بدون الآخر.
# أحزاب “الإسلام السياسى” قامت بدور السمسار / وأحيانا المقاتل/ لصالح الشركات متعددة الجنسيات والبنوك الدولية وشركات النفط والغاز، وشعاراتها الإسلامية تجعل اقتصاد السوق أكثر استقرارا لأنها توهم الناس بأن الإسلام يقبل بالظلم والتبعية.
# لا بديل عن جعل الإسلام محورا للعملية التعليمية، وبدون علوم الفيزياء والكيمياء وعلوم الفضاء والتكنولوجيا سنظل عرضة لمحاولات الغزو الخارجى.
# ليس من مفردات السياسة في الإسلام الخضوع والموالاة لأئمة الكفر في العالم، ولا السماح للصهاينة باحتلال فلسطين، ولا القبول بقواعد عسكرية لدول تحارب المسلمين وتحتل أراضيهم.
# كل شرعية تتعارض مع الشريعة الإسلامية، لا اعتبار لها.
# “إقامة شرع الله” شعار لا يمكن تحقيقه بدون امتلاك حرية القرار السياسى، وتحرير رقاب المسلمين من الاحتلال الأجنبى، وذل الديون، والحاجة إلى المعونات الخارجية، وقيود الإنفاقات الجائرة مع الأعداء.
::::::::::::::::::::::::

هناك أسباب تؤخر الولايات المتحدة عن سحب قواتها من أفغانستان رغم اتضاح خسارتها للحرب هناك بلا أدنى شك.
تلك الأسباب من القوة بحيث تجعل هذه الدولة الإمبريالية تتحمل النتائج الوخيمة لتأخير عملية الانسحاب طول تلك المدة، رغم إتضاخ خسارتها للحرب منذ عام 2008على الأقل، بحيث ترافقت بشائر الهزيمة العسكرية مع بوادر الأزمة المالية الاقتصادية التى مازالت تتجذر في المعسكر الغربي كله وتهدد بسقوطه في عقر داره، بما بعيد للأذهان السيناريو السوفيتى عندما ترافقت الهزيمة العسكرية في أفغانستان مع تفاقم الوضع الاقتصادى ثم في النهاية السقوط المريع والاندثار.
= ما تريده الولايات المتحدة هو تلافي المصير السوفيتى والسيطرة المسبقة على تداعيات الأحداث في العالم بعد الفرار من أفغانستان. تراهن أمريكا بدفع التكلفة الباهظة لتأخير الانسحاب في مقامرة لكسب الوقت إلى أن تعيد ترتيب وضعها الإمبريالى لتظل كما هي الآن: قطبا أوحدا ومهيمنا على شئون العالم.
وما تريده قبل الانسحاب هو التوصل إلى آليات جديدة لتلك السيطرة واتخاذ الكثير من الإجراءات على مستوى العالم كله ـ وبالطبع على مستوى الداخل الأمريكى المتصدع ـ للدخول في مرحلة جديدة من الهيمنة تتناسب مع حقيقة الهزيمة العسكرية والتصدع الاقتصادى، و الوصول إلى ما يمكن تسميته (هزيمة بلا انهيار) على غرار شعار ريتشارد نيكسون (نصر بلا حرب). المجهود الأمريكى في هذا الصدد ضخم وجبار ولكنه لن يكون كافيا، لأن العالم تغير بالفعل وظهرت فيه حقائق جديدة على كل الأصعدة، الاقتصادية والسياسية، والأهم هو مستوى إدراك الشعوب بما يجرى حولها، ونزوعها إلى التمرد على السيطرة الأمريكية، والبحث بشكل حقيقى عن العدل والحرية. وليست شعوب الولايات المتحدة بمعزل عن كل ذلك، فالكثير منها بدأ يعى مخاطر ذلك النظام الفاشى الذى يسيطر عليه قلة صغيرة من أصحاب الترليونات، فبدأت تلك شعوب تطالب تدريجياً بحق تقرير المصير و الانعتاق من سجن الفيدرالية المجحف. وتلك مطالب عادلة سوف تلاقى تعاطف ودعم شعوب العالم أجمع خاصة من المسلمين الذين ذاقو الأمرين من النظام الأمريكى المتوحش.
إعادة تموضع حول العالم
وحتى لا يحدث الانهيار تصبر الولايات المتحدة على نيران الهزيمة في أفغانستان إلى أن تعيد ترتيب قطاعات عديدة تغطى العالم كله تقريباً.
= من تلك القطاعات أفغانستان نفسها بإمكاناتها الاقتصادية والسياسية وموقعها الإستراتيجى ودورها الإسلامى الحالى والمستقبلى. ويرتبط بأفغانستان قطاع المنطقة العربية قاطبة من المحيط إلى الخليج، خاصة ما يتعلق بالدور المأمول أمريكياً لذلك الخليج ليس فقط كمصدر وممر لمعظم صادرات الدنيا من الطاقة منذ عقود مضت، ولكن أيضاً لتحويل ذلك الخليج إلى خندق نيران طائفية تلتهم المسلمين على الضفتين وتزحف في الاتجاهات الأربع لتصبح الحرب الطائفية هى قضيه المسلمين الأولى وليست فلسطين ولا ضياع مقدرات المسلمين وبلادهم وقبل ذلك وبعده ضياع شرائع دينهم.
لذلك فإن فهناك ارتباطا وثيقاً بين ما يجرى في أفغانستان وذلك الذى يجرى في المنطقة العربية، وعلى وجه الدقة منطقة الغرب من أفغانستان، الممتدة من إيران وحتى الشواطئ العربية على المحيط الأطلسى.
ولا ننسى أن هناك شريطاً جغرافياً آخر يمتد من شرق أفريقيا “القرن الأفريقى” وصولا إلى غرب القارة وتحديدا دول جنوب الصحراء. وهو الآخر قطاع تشمله ترتيبات أمريكية عميقة لاستقبال مرحلة ما بعد الانسحاب من أفغانستان.
= يمكن التوسع في الحديث وضم مناطق عديدة أخرى يجرى العمل عليها استقبالا للتحول العالمى القادم في محاولة أمريكية يائسة لأن يظل العالم أمريكيا كما حدث منذ نهاية الحرب الباردة وسقوط الإتحاد السوفيتى، ولكن تلك الوجبة أصبحت أكبر بكثير من أن تبتلعها المعدة الأمريكية الشرهة. وكما كانت أفغانستان انطلاقة التغير الجيو سياسى العالمي بعد هزيمة الجيش الأحمر، فإنها ستكون كذلك وأكثر بعد هزيمتها لجيوش أمريكا وحلف الناتو.
فإذا اعتبرنا أفغانستان مركزاً للتحولات الدولية الكبرى في هذا المناخ “الجيوسياسى” فإن مجموعة الدول الواقعة شمال أفغانستان والتى تشمل جمهوريات أسيا الوسطى وروسيا الإتحادية، ومجموعة الدول الواقعة جنوب أفغانستان وتشمل دول شبه القارة الهندية. ثم إلى الشرق من أفغانستان في حيث الصين أو ذلك التنين الذى من المنتظر أن يتحرك على ساحة العالم بقوة وثقل سكاني واقتصادي وتقدم تكنولوجي، ليزيح أمريكا أوروبا جانباً ويتصرف دولياً على شكل يصعب تماما التنبؤ به. كل تلك المجالات “الجغرافية / السياسية” حول أفغانستان تجهز لها الولايات المتحدة قبل إتمام فرار قواتها من أفغانستان حيث تكون هيبتها الدولية قد سقطت والأزمة الاقتصادية بلغت مداها وتململ الشعوب وغضبها قد اتخذ مسارات خارج السيطرة أو حتى التصور الأمريكي. إذن الانتظار الأمريكى فوق الحديد الأفغانى الساخن له ما يبرره من وجهة نظرها، تفادياً لكارثة كاملة، فمن الأفضل تحمل المزيد من الخسائر لعدة أشهر إضافية.
ولكن الحسابات الأمريكية ربما كانت خاطئة وأن الصبر فوق الجمر الأفغانى لن ينجيها من كوارث الانهيار. لأن إعادة رسم خريطة العالم وفقاُ للهوى الأمريكى هو أمر أكبر بكثير من قدرت تلك الدولة المتراجعة، وهو طموح أمريكي غير واقعي لأن العالم أصبح أكبر بكثير من أن تحتويه قوة إمبريالية مهزومة ومتصدعة. فقد آن لأمريكا وحضارة الغرب أن تتراجع خطوات كثيرة إلى الخلف، لأن هناك مستقبلاُ آخر قادم في الطريق.
ذلك المستقبل يصنعه الأفغان بجهادهم، وقد آن لهم هذه المرة أن يكونوا في صدارة المستقبل القادم. لقد فاتتهم الفرصة في المرة السابقة عندما صنعوا عالما جديداً بإزالة الإتحاد السوفيتي، وكان السبب الجوهري لضياع الفرصة هو فساد قيادات الأحزاب التى قفزت فوق موجة الجهاد ثم باعته للولايات المتحدة وعملائها الإقليميين.
إضعاف القبيلة لصالح الحزب
ومن الدروس الأخرى الكبرى لتجربة الجهاد الأول ضد السوفييت كانت:
1ــ تسلط الشخصيات الفاسدة والمنحرفة والموالية للغرب على قيادة الجهاد.
2ــ تقسيم الحركة الجهادية إلى أحزاب تعتمد على الإسناد الخارجى في التمويل والتسليح والدعم الدبلوماسى في مقابل التنازل للقوى الخارجية عن القرار السياسي الأفغاني، فتحول الجهاد إلى حرب بالوكالة لصالح تلك القوى /الولايات المتحدة تحديدا/ التي فازت بالغنائم وتركت لشعب أفغانستان حكومة فاسدة وقادة متناحرون، يديرون عصابات إجرامية وحرب داخلية أدت إلى احتلال تام في أمن المواطنين وأعمالهم.
3ــ إضعاف القبائل الأفغانية التى هى أساس التكوين السياسي والاجتماعي للبلد، فالقبائل تؤدى مهام غاية الأهمية في المجتمع والدولة، كما أنها ركيزة الدفاع على مر العصور، وهى المحضن الأول للإسلام والمدافع الأساسي عنه. لذلك كانت القبائل مستهدفة من قوى العدوان الخارجى سواء كانوا إنجليز أو سوفييت أو أمريكيين. وإنشاء الأحزاب كان أحد أهدافه الخفية إضعاف القبائل الأفغانية بتقسيمها وتفريق أفرادها بين الأحزاب ونقل القدرات والصلاحيات إلى أيدى الأحزاب. وجميع المستعمرين إتبعوا أساليب شتى لإضعاف القبائل وتفتيتها سواء بالحرب والقوة العسكرية المباشرة، أو بالتقسيمات الإدارية أو رسم الحدود المصطنعة مع الدول المحيطة بأفغانستان. وفي وقت الجهاد ضد السوفييت كانت القوى المالية والتسليحية والاتصالات الخارجية في يد قادة الأحزاب الذين بذلوا جهدهم لإضعاف “القبلية” لصالح “الحزب”. وذلك جانب هام يكمن وراء فلسفة تكوين الأحزاب في أفغانستان، أى إضعاف القبلية ودورها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والأمني والدفاعي، ثم حصيلة ذلك إضعاف قدرة أفغانستان في الحفاظ على قيم الإسلام أو الدفاع عن البلد في مواجهة الغزو الخارجي.
ــ والأحزاب في الدول الإسلامية بشكل عام هى حيلة غربية لتقسيم المجتمع وتفتيت قواه بكيانات حزبية متهافتة وعديمة الفائدة تمنع إتحاد الشعب وتبعثر قواه وتشتت جهوده في صراعات عقيمة لا جدوى منها. ولا قيام لتلك الأحزاب بغير العون الخارجى سواء من الأعداء الواضحين المباشرين أو الأعداء غير الواضحين من وكلاء الاستعمار الإقليميين.
ــ وللأسف الشديد فإن العمل الإسلامى في البلاد الإسلامية قد اتخذ الصيغة الحزبية العقيمة، ولم يتوجه للمجتمع بتكويناته التقليدية، فصارت الحركة الإسلامية طافية على السطح بلا جذور، ومرتبطة بالخارج بحثاً عن المال والدعم الدعائي والدبلوماسي، وكلما زاد ضعفها وعزلتها داخلياً زاد ارتباطها بالخارج حتى وصلت الى ما نشاهده الآن في دول الربيع العربى من ارتباط علنى مع الولايات المتحدة، أشد أعداء العرب والمسلمين، ثم الاسترضاء الذليل لإسرائيل التى تشكل خطرا وجوديا على العرب والمسلمين جميعاً،على الأقل بأسلحتها النووية، وتهديداُ لمقدساتهم في فلسطين والحجاز. فالأحزاب كيان دخيل وضار على كل الجسد الإسلامى خاصة في أفغانستان التى ارتبطت فيها الأحزاب / التي أظهرت الماركسية أو ادعت الإسلام / بشكل مباشر بقوات الغزو الخارجي، السوفيتي سابقا والأمريكي حاليا.
فقد رأينا الأحزاب الشيوعية وكيف أنها استقدمت الجيش الأحمر السوفيتي لحمايتها، ثم رأينا الأحزاب الجهادية “!!” وكيف تاجرت بدماء الشعب ثم تحالفت مع كل أعداء الداخل والخارج. وفي حربها ضد الإمارة الإسلامية استخدمت في صفوفها مرتزقة روس حاربوا قبلا في أفغانستان، وكانت تلك الأحزاب “الإسلامية” وحلفائها من ميليشيات “جلم جم” الشيوعية رأس رمح لقوات الغزو الأمريكي الأوروبي.
ثم نرى في كابل الآن الأحزاب التى نشأت تحت رعاية الاحتلال وبأمواله وأموال الدول الخارجية من كل صنف ولون، تلك الأحزاب جميعا متمسكة بالاحتلال وتستمد وجودها من وجوده، فهي مثل الظل الذي يزول بزوال الأصل، فأصل تلك الأحزاب هو الاحتلال الأجنبى.
وعلى عكس تجربة تلك الأحزاب في أفغانستان وباقى بلاد المسلمين تقف حركة طالبان كنقيض لها ونموذجا للتحرك الإسلامى الدعوى الجهادى الممتد إلى أعماق تركيبة المجتمع الأفغاني وتاريخه.
وفي إشارة لتلك الحقيقة قالت صحيفة “ديلى تلجراف” البريطانية ( إن حركة طالبان متجذرة بعمق بين قبائل البشتون “!!” جنوب وشرق أفغانستان، ولا يمكن لأى قوة مهما بلغت عظمتها أن تقتلع تلك الحركة من جذورها). واضح أن الصحيفة خلطت بين نشأة تلك الحركة في مناطق الجنوب والشرق وبين انتشار تلك الحركة كأحد المكونات الثقافية والدينية لجميع القبائل. والدليل الواضح هو قيادة تلك الحركة لجهاد الشعب الأفغانى في كافة المناطق والأرجاء شمالا وجنوبا، شرقا وغرباً.
كما لا يدرك آخرون أن “طالبان” هم طلاب العلوم الدينية، وبالتالي فهم يرتبطون بالإسلام الذي يجمع كل القبائل. إن “حركة طالبان” تعنى ذلك التجمع الذى قام كى يأمر بالمعرف وينهى عن المنكر لإصلاح الخلل الذى أحدثته حكومة كابول في أنحاء البلاد، فأفسدت حياة الناس، وإنتهى المطاف بذلك التحرك الإصلاحى إلى خلع الحكومة وإعلان الإمارة الإسلامية التى أعادت الحياة في ذلك البلد إلى مسارها الإسلامى الصحيح.
وبشكل ما فإن كل طالب للعلوم الشرعية يعتبر نفسه عضواً في تلك الحركة، وبهذا لا تنحصر حركة طالبان في قبيلة أو منطقة جغرافية محددة، فانتمائها الحقيقي هو للإسلام، وقد بذلت الحركة الآلاف من أرواح شبابها في ذلك الدرب وما زالت. وتلك مهمة يتعدى تأثيرها بلدا واحدا، ليصل عاجلاً أو آجلا إلى جميع المسلمين بل والبشرية جمعاء، لأن الإسلام هو رسالة للبشر كلهم. وتضحيات طالبان هى في سبيل الله أى لنفع الخلق أجمعين، وهكذا فإن حركة طالبان ليست حزباً ولا يمكنها أن تكون كذلك، وأى محاولة من جانب العدو لحشر الحركة في حفرة الحزبية هى محاولة فاشلة لأنها لن تقبل بالانعزال عن الدين، وعن جموع المسلمين في شتى القبائل، ولن تتحول إلى كيان حزبى مسخ منعزل لا يرى سوى مصالحه الضيقة ومكاسبه السياسية والمالية، شأن كل الأحزاب، العلماني منها والإسلامي.
فالحزبية هي نتاج حضارة الغرب وتلبى فلسفاته الإعتقادية وأوضاعه الاجتماعية والاقتصادية.
الديمقراطية خدعة تاريخية
# إن ما يعرضه الغرب على المسلمين تحت مسمى الديمقراطية هى من أكبر الخدع في تاريخ الإنسانية، لأن مزاياها متوهمة وليس لها وجود في حقيقة الأمر. والشعب هو الضحية الأولى لذلك النظام المخادع الذى يمارس ما يشبه الطقوس الوثنية ليوهم العوام بالمشاركة في الحكم والرقابة عليه بحيث لا يمكن لجهة واحدة الاستبداد بالحكم والإنفراد به. وكل ذلك غير حقيقي فكما قال أحد رؤساء وزراء بريطانيا بأن (الديمقراطية نظام سيئ ولكنه أفضل نظام اخترعه الإنسان). وقال آخر ( إن الديمقراطية هى أفضل نظام يمكن شراؤه بالمال). وذلك القول أكثر دقة، لأن الديمقراطية في حقيقتها هى حكم الأقلية التى تمتلك معظم الثروات، وهى التي تدير عبر مجلس إدارة غير معلن كل اللعبة السياسية والإعلامية. فذلك المجلس أو الإتحاد هو الذى يمول الأحزاب والإعلام، ويختار الشخصيات القيادية التى تخدم أهدافه وتقود “اللعبة” عبر المؤسسات الرسمية وعبر المنظمات الشعبية والنقابات أو”مؤسسات المجتمع المدنى” كما يحلو لهم القول.
تلك هى أصول اللعبة لدى الكبار. أما الصغار من الدول المتخلفة فإن ديمقراطياتها تابعة للدول الكبرى ( دول المركز)، فمنها تستمد المال والتوجيه بل والشرعية السياسية داخلياً ودولياً.
إذن ديموقراطيات العالم المتخلف هى نظام “الالتحاق” بالغرب ومجرد تقليد أجوف لأنظمته التى هى في الأساس أنظمة مخادعة وتخدم الأقلية التى تمتلك ثروة المجتمع، أى تمتلك القوة المالية التى منها تنبع باقى أنواع القوة. وتلك القلة التى تمتلك المفاتح الحقيقية للحكم، ثابتة ولا تتبدل بينما يتصور الرعاع أنهم يبدلون الرؤساء والحكومات عبر صناديق الاقتراع، وكل ما يفعلونه في الحقيقة هو اختيار واحد من الذين يرشحهم ويرضى عنهم نادى الأثرياء المتحكمون في اللعبة كلها.
ديموقراطيات العالم الثالث تسير على هذا المنوال، فأصحاب الثروات الطائلة يديرون عن بعد اللعبة السياسية بما فيها من أدوات عبارة عن أحزاب و إعلام تخدم مصالح مموليها. وأصحاب الثروات هؤلاء تابعون لنادى أثرياء العالم ومقره الأساسى هو تلك الدولة الأعظم، ويضم كبار أصحاب البنوك والصناعات العسكرية والشركات متعددة الجنسية، والصهاينة بالطبع هم القطب الأهم والرئيسى في ذلك النادى الديمقراطي الدولى العابر للقارات والأمم.
أثرياؤنا تابعون لهؤلاء، وأغلبيتهم العظمى مدينون بثرواتهم لنادى الثروات الدولى، بل ويعملون غالباً كنواب لهم وستائر لحركة أموالهم. وذلك يوضح لماذا أن كل نوادى الأثرياء التافهون في بلاد العالم الثالث تابعون بالضرورة، وبحكم الارتباط العضوي، لنادى الأثرياء الدولي. أى أن “أنظمتنا” الديمقراطية لا بد أن تكون موالية ومرتبطة عضويا بإسرائيل والولايات المتحدة اقتصادياً وسياسياً.
وما نشاهده في بلاد “الربيع العربي” خير برهان ودليل على ذلك. وأى شعارات مهما كان نوعها ــ حتى الإسلامي منها – لن تجدى في تغيير الطبيعة الصهيونية الإمبريالية لأى نظام ديموقراطى. فعند قمة الهرم الديموقراطى يجلس (رأس المال) وكهنته من يهود وصليبيون جدد. فمصاصو الدماء هؤلاء هم أعدى أعداء المسلمين والبشرية جمعاء، وهم مشعلي الحروب والفتن ومبيدى الشعوب والحضارات وسارقي الأرض، بل والقارات، فمن إجمالي خمس قارات على سطح الأرض سرقوا ثلاثة منها وأبادوا سكانها الأصليين وجلبوا لخدمتهم فيها كعبيد أكثر من عشرين مليون مسلم من قارة أفريقيا، وحديثا سرقوا منا فلسطين، ويجهزون الآن المسرح العربى بعرائس خشبية حاكمة متحكمة، متعددة الأشكال والألوان، علمانية وإسلامية، تمهد وتحمى زحف اليهود القادم نحو المقدسات الإسلامية في الحجاز.
أحزاب “الإسلام السياسي” وتجريف الإسلام
يقصد بالتجريف إزالة الطبقة الخصبة القابلة للزراعة من فوق سطح الأرض. و “تجريف الإسلام اصطلاح يعنى الحفاظ على الاسم والشعار الإسلامى بعد إزالة المعنى والبنيان الواقعى للدين من فوق سطح الأرض. فيصبح الشعار بديلا عن المحتوى، والمظهر عوضاً عن الجوهر، والانفعال والحماس بديلاً عن التخطيط والتدبير، والجدال الفارغ بديلاً عن البحث المتعمق المفضى إلى عمل منتج، وتشتيت انتباه الأمة عن الأخطار الحقيقة المحدقة بها واستبدال ذلك بخصام داخلى وأخطار مصطنعة، وإشعال الحروب الداخلية بين مكونات الأمة بديلا عن الاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، وإتباع التدين الشكلى والمظهرى بديلا عن الاجتهاد المبنى على العلم الشرعى المؤصل والفهم المعمق للواقع.
ــ  خلال فترات الاضطهاد إكتفي الإسلام السياسى بالشعارات البراقة، وعندما وصل إلى السلطة بإتفاق واضح مع اليهود والنصارى (إسرائيل والولايات المتحدة) ظل مكتفيا بالشعارات الإسلامية مع الإبقاء على جوهر النظم السابقة في مجالات السياسات الداخلية والخارجية، والاقتصاد الضعيف الفاسد والتابع لدول الاستعمار، والإعلام التافه المقلد للإعلام الدولى المعادى للشعوب ومصالحها الحقيقية، والحياة الثقافية الموبوءة بأمراض الغرب الفكرية والإعتقادية. فإذا كان الوقت لم يسعف أحزاب “الإسلام السياسي” حتى الآن، فإن تفاصيل ما نفذه بالفعل وما أعلنه من خطط مستقبلية، يوضح تماماً أن لا جديد تحت الشمس، وأن ما حدث هو مجرد استبدال للوجوه وإلباس النظام القديم قناعاً إسلامياً، مع بقاء نفس الممارسات ونفس منهج الحكم.
ــ  يقولون في الغرب أن الشيطان يكمن في التفاصيل. ذلك لأنهم يخفون نواياهم الشريرة خلف الكلمات البراقة. ومن المفروض أن يكون العكس هو الصحيح على الجانب الإسلامي، أى أن الحق يجب أن يظهر مع التفاصيل خاصة عندما يقود الإسلاميون الدول. فلا بد أن نرفق شرحاً تفصيلياً مع الشعار الإسلامى حتى تتضح صورته الحقيقية ويكون الجميع على بينة منه. ومع النقاشات المتخصصة والمسئولة يستبين طريق الصواب، فعند التصدي لمسئوليات الحكم لا يكون التعميم كافياً بل يصبح ضاراً وغير مسموح به.
ــ  فقد ظهر مثلاً أن من ظلوا عقوداً طويلة ينادون (بإقامة شرع الله)، كانوا يقصدون فقط إقامة الحدود، وذلك جانب هام جداً ولكنه ليس كل شيء، فالتشريع في أي مجتمع هو سياج يحمى البنيان القائم: البنيان العقائدي، والثقافي، والسياسي، والاقتصادي، وأسلوب الحكم. ويحفظ أمن المجتمع وسلامة مواطنيه ويحمى وسائل تطورهم ورفاهيتهم من أى عدوان خارجي أو عقبات داخلية.
فإذا أقدم أي فريق إسلامي على (تطبيق الحدود) في مجتمع لم يقم الإسلام في حياته، بل تحكمه شرائع العسف والجور والانحراف بشتى صوره، فإنه بذلك يحمى الطغيان (الطاغوت) بدعوى أقامة شرع الله. وتلك جريمة كبرى.
الاقتصاد الإسلامى بين الشعار والبرنامج
# وكذلك من يكتفي في الاقتصاد بمجرد دعوة الناس إلى الابتعاد عن أكل الربا وإيتاء الزكاة والتوسع في الصدقات، ولكن بدون أن يتطرق إلى وسائل بناء الاقتصاد بشكل يلبى الاحتياجات الأساسية للجميع ويفتح طريق الرقى والغنى للمجتمع والدولة. وعلى العكس من ذلك، فهؤلاء الوعاظ عندما وصلوا الى السلطة توسعوا في الاقتراض الربوى من جميع المصادر الدولية المتاحة فزادوا البلاد فقرا وارتهانا لغير المسلمين، حيث القروض الربوية مستحيلة السداد تقريباً، ووقعت أجيالنا القادمة تحت عبودية القرض الربوى.
فلا يكفي الشعار الإسلامي في الاقتصاد بديلا عن سياسة اقتصادية مبنية على ضوء شرائع الإسلام وتركز على الإنتاج وتوفير العدالة بين الناس وتلبى احتياجاتهم المعيشية ـ كما جاء في الآيات الكريمة من سورة قريش (فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) ــ وتفتح للأجيال آفاق المستقبل المشرق الآمن من الفقر والحاجة أو الإرتهان لأعداء الدين والأمة، فيصبح المسلمون تحت تسلط الكافرين بسبب الفقر والعوز والحاجة إلى لقمة العيش أو استيراد أدوات العمل.
وعلينا أن نواجه حقيقة اقتصادية يتلافاها أكثر الدعاة، خاصة فيما يعرف بالإسلام السياسي، عن عدم ملائمة “اقتصاد السوق” كما يطرحه الغرب مع المفهوم الإسلامي للاقتصاد. فاقتصاد السوق ليس إلا أكذوبة اقتصادية كما أن الديمقراطية أكذوبة سياسية.
# وكذلك هو الحال عن شعاراتنا حول التعليم الإسلامي. صحيح أنه لا بديل عن جعل الإسلام محورا للعملية التعليمية، ولكن بدون علوم الفيزياء والكيمياء والفضاء وكل أنواع العلوم الحديثة والتكنولوجيا فسوف تظل بلادنا متخلفة بما يغرى الأعداء بمحاولات غزوها مباشرة أو الهيمنة عليها اقتصاديا أو معرفيا ( وهذا أخطر)، فقد نبهنا القرآن الكريم إلى حقيقة ( هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟؟ ) بالقطع لا يستوي الفريقان.     
وقد سيطر الغرب علينا بامتلاكه ناصية العلوم الطبيعية واكتشاف السنن الكونية وتسخيرها لمصالحه، الصالحة والطالحة. بينما العلماء المسلمين كانوا طليعة الإنسانية في مضمار العلوم الحديثة في وقت نهضتهم، وكذلك ينبغىى أن يعود الحال في ظل نظام إسلامي حقيقي. فالتعليم الإسلامى لا يعنى فقط الفصل بين الجنسين في معاهد العلم، أو حجاب الطالبة المسلمة، ورعاية أداب السلوك وآداب تلقى العلم بين الشباب، كل ذلك مهم جدا، ولكنه ليس كل العملية التعليمية في ظل نظام قائم على الإسلام.
# الدولة الإسلامية ليس من مفرداتها الخضوع لأئمة الكفر في العالم ولا التسليم لهم بالسيادة علينا بأى صورة، ولا السماح لهم أو للصهاينة باغتصاب الأرض والأوطان وإملاء أساليب الحكم وشرائعه. فأى شرعية تتعارض مع الشريعة فلا قيمة لها مهما كانت صفتها.
نعم.. ليس من مفردات الدولة الإسلامية الخضوع لأئمة الكفر في العالم، ولا التسليم لهم بالسيادة علينا. ولكن الإسلام السياسى فعل كل ذلك لشراء وصوله إلى السلطة و تسديداً منه لثمن ذلك الوصول. وشعار ” إقامة شرع الله” لا يمكن أن يتحقق بغير امتلاك المسلمين لحرية القرار السياسى، وتحرير رقابهم من الاحتلال المباشر وغير المباشر وتحرير إرادتهم من ذل الديون الربوية، والتحرر من السيطرة الإعلامية والثقافية لدول الغرب، وتطهير البلاد من الفاسدين وعملاء الاستعمار بكل صورهم، ومن سموم الثقافة الغربية مع الأخذ بما هو نافع من كل الثقافات والعلوم، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها. ولكن ليس كل ما هو شائع نافع، ومع ذلك فالحكمة والصواب هى لنا أينما كانت وبلا تردد. فالطريق أمام المسلمين صعب جداً وطويل وملئ بالجهاد بمعناه الأوسع، والأخطار مازالت جسيمة ومتربصة، والبناء الداخلى مازال هشاً وملئ بالثغرات.
# فإقامة شرع الله ليست شعاراً بلا تفسير عملى يوضح محتواه. وليست إسلامية الدولة مجرد شعار يطلقه حاكم ذو سمت إسلامى، والجلوس على كرسى الحكم لا يجعل الدولة إسلامية في غمضة عين، بل يحتاج الأمر إلى جهاد مرير لسنوات طوال حتى ولو أقيمت الحدود بشكل فورى، كما فعلت حركة طالبان عند توليها زمام السلطة في إمارة إسلامية.
فقد سبق أن جلس زعماء أحزاب جهادية على كرسى الحكم في كابل بعد هزيمة السوفييت وسقوط النظام الشيوعي. ورغم ضجيج شعاراتهم السابقة إلا أن ممارستهم للحكم كذبت كل تلك الإدعاءات، حيث كان الواقع معاكسا تماما للشعارات، فإلى جانب الإفساد الداخلى مارس الحكام الجدد “القادة الجهاديون!!” موالاة أكابر أئمة الكفر في العالم ( وهو ما يفعله الآن الإسلام السياسى العربى). كما حافظوا على بقاء رأس الفتنة رئيس الدولة الشيوعى السابق “نجيب الله” ولم يقدموه للمحاكمة، بل أبقوه محتجزاً تحت حماية الأمم المتحدة في أحد مقاراتها الكبيرة بالقرب من القصر الجمهورى. وظل الرئيس “المخلوع” على صلة بأعوانه بالداخل، وعلى صلة أيضا مع موسكو الذى أسبغت عليه حمايتها وفوضته بتوقيع أوامر طباعة أوراق النقد الأفغانية، التى ظلت تطبع في موسكو حتى في عهد حكومة المجاهدين(!!).
نلاحظ أيضاً أن حكومات الإسلام السياسى في دول “الربيع” لم تقدم الحكام السابقين وكبار أعوانهم إلى أى محاكمة حقيقية سوى لبعض المخالفات الجنائية التى يسهل تخليصهم منها لعدم توافر الأدلة، تلك الأدلة التى طمست عمدا ليبقى القضاء أعمى يتخبط في متاهة. وحتى كبار لصوص الثروات من أصحاب المليارات المنهوبة من دماء الشعب، لم ينبس أحد لهم ببنت شفة، بل العكس، حيث تزلف الحكام الجدد إليهم، ودخلت “الشركات الإسلامية” في سوق النهب الاقتصادى إلى جانب الناهبين القدماء. أو كما قال البعض ( لقد نشأ إتحادا ضم سارقى ثروة الشعب مع سارقى ثورته ). فهل تغنى بعض شعارات إسلامية عن الخوض في التفاصيل حيث تتكشف الحقائق ؟؟. لم تعد الشعارات الكبيرة البراقة كافية للإجابة عن تحديات الواقع المعقد، ولم يعد كافيا أن يصيح أحدهم بأن “الإسلام هو الحل” أو ” إننا نسعى لتطبيق شرع الله” أو “إقامة الدولة الإسلامية”، فتلك مجرد شعارات كبرى ولكن المطلوب هو برامج التنفيذ، البرنامج وليس مجرد الشعار. والبرنامج لا بد له من نقاش مستفيض، أما الشعار فلا يلزمه سوى التسليم والإذعان لأنه يتعلق غالباً بالمعتقدات الكبرى.
المرفوض هنا.. مقبول هناك
من ذلك يظهر أن ما هو مقبول في “دول الربيع” من المستحيل قبوله في أفغانستان، والأسباب واضحة، فالمواقف تبنى على معطيات الواقع وليس على البيانات اللفظية. فالشعب الأفغانى رفع السلاح تحت شعار إسلامي واضح، دفاعاً عن دينه ودفاعاً عن بلاده وحريته. وقيادته كانت واضحة وذات تجربة ومصداقية وممارسة ميدانية طويلة ومتنوعة.
وعلى جانب “الربيع” كان الموقف مغايراً، وما حدث كان صرخة ألم أطلقها دفعة واحدة ملايين المظلومين. ولكن لم تكن هناك قيادة، من أى نوع، ولا رؤية للطريق القادم. والإسلاميون ظلوا سابقا بعيدين عن ساحة الفعل الثورى أو حتى التمهيد له، ولم يلتحقوا بالركب الثورى إلا بعد أن كان التوجه العام يطالب بالديمقراطية على النمط الغربي. وبعد سقوط رأس النظام سلم ” الثوار” السلطة لأجهزته القديمة نفسها بل وحتى رموزه السياسية ورجال خدموه. ثم قفز الإسلاميون على السطح ووصلوا إلى الذروة بطريقة عليها تساؤلات شتى وشبهات حول صفقات تقاسم منفعة مع قوى النظام القديم والقوى الدولية الصهيونية والأمريكية ودول حلف الناتو. فماذا تجدى الشعارات الإسلامية في هذه الحالة ؟؟ وهل يمكن أن تكون سوى خداع وتلاعب بمشاعر المسلمين ؟؟ وهل يخدم ذلك الإسلام أم يصد الناس عنه ؟؟.
شروط المنهزمين
# ما يعرضه الأمريكيون على حركة طالبان في مشروع التفاوض المتوهم لا يخرج في جوهره قيد شعرة عما قبل به زعماء “الربيع”، الإسلامي منهم قبل العلماني. وأهم ما يعرضه الأمريكيون هو:
1ـ التأكيد على إلتزام أفغانستان الراسخ بإرساء حكم تعددى ديمقراطي، وحماية القيم الديمقراطية والإعلاء من شأنها. {معنى ذلك تحويل حركة طالبان إلى حزب سياسى يشارك الأحزاب الأخرى فيما يسمى باللعبة الديمقراطية. وفي ذلك تحويل للحركة من جزء عضوى في النسيج الاجتماعى للشعب الأفغانى إلى مجرد تركيب مسخ يستجدى العون الخارجى ويمارس الدجل السياسى في لعبه الخداع الديمقراطي. والإعلاء من قيم الديمقراطية تعنى صراحة القضاء على قيم الإسلام وأحكامه بدعوى أنها تتعارض مع قيم الديمقراطية}.
2ـ إعطاء أمريكا في أفغانستان صفة حليف رئيسى من خارج دول الناتو. { أى تحويل أفغانستان إلى مستعمرة أمريكية لا يشاركها فيها حتى الحلفاء الذين قاتلوا إلى جانبها، ويلاحظ أن أمريكا بالنسبة لدول الربيع هى أكثر من حليف رئيسى وأكبر من حليف إستراتيجى فهى مالك فعلى للبلاد ومتحكم في جميع تفاصيل أمورها }.
3ـ تلتزم أفغانستان بمنح تسهيلات للقوات الأمريكية في أفغانستان طول عام2014 وما بعده. {عام 2014 سيكون حرجاً جداً في عملية الفرار، لأن القوات الأمريكية أقل عدداً وأقل تجهيزاً بعد تفكيك ونقل معظم معداتها المتقدمة، ومعنويات قواتهم منهارة ولا يشغل الجنود سوى موعد الرحيل من ذلك الجحيم، لهذا فهم يطلبون الأمان من حركة طالبان لتمكينهم من تنفيذ المرحلة النهائية من الفرار بهدوء.
أما ما بعدعام2014 فهم يخططون لبقاء غير محدود لقواعد إستراتيجية. ولا شك أنه في حاله نشوب حرب أمريكية مع أى دولة في الإقليم، خاصة إيران وربما روسيا والصين، فإن أفغانستان ستكون بؤرة الحركة الأمريكية العدوانية، وعلى الشعب الأفغاني تحمل تبعات حروب أمريكا في أسيا التى قد تتحول الى حروب نووية عالمية. ولا نقارن هنا مع دول الربيع حيث القواعد الأمريكية العسكرية أو الإستخبارية أو كلاهما تعتبر من البديهيات، وقد نسى الإسلام الديموقراطى أحاديثه الصاخبة عن عقيدة الولاء والبراء، بل أنها تحولت إلى عقيدة معكوسة العمل، أى أنها تعمل في عكس التوجه المحدد لها شرعا }.
4ـ يلتزم الطرفان الأمريكى والأفغانى بالعمل على تعزيز اقتصاد السوق ونموه، على أن تضطلع الولايات المتحدة بدعم جهود أفغانستان في إدارة ثرواتها الطبيعية.
مرة أخرى.. خدعة اقتصاد السوق
اقتصاد السوق يعنى فتح الأسواق أمام السلع والمنتجات الخارجية بلا قيود، وفتح الطريق أمام حركة رأس المال دخولا وخروجاً، والسماح للبنوك الأجنبية بالعمل بحرية. والنتيجة في البلاد التى فتحت أسواقها وبنوكها بهذا الشكل، أولا نزح أموالها إلى الدول الغربية عبر البنوك، ثم القضاء على الصناعات المحلية لصالح مثيلاتها المستوردة، فهى أجود وأرخص، فيقتصر الإنتاج المحلى على تجميع بعض الصناعات الهامشية أو إقامة صناعات ملوثه للبيئة طردتها دول الغرب من بلادها وساقتها الى دول العالم الثالث كى تنشر الأمراض الخبيثة وتوفر إنتاجاً رخيص الثمن بسبب ضعف الأجور. وقد تفتح بعض الصناعات الغربية أفرعاً لها في تلك البلاد للاستفادة من ميزة انخفاض الأجور وضعف رقابة الحكومة على مشاكل التلوث البيئي، وفساد أجهزة الدولة وتفشى الرشاوى بما يسمح لتلك الشركات بالتهرب الضريبي وارتكاب شتى المخالفات القانونية. الزراعة هى الأخرى تتدهور ولا يبقى لها غير إنتاج محاصيل ثانوية يحتاجها السوق الغربى لرفاهية مواطنيه أو لخدمة الصناعات الكبرى هناك.
فلا يصبح البلد المتخلف قادرا على سد احتياجاته من الغذاء الأساسي” المحاصيل الإستراتيجية” مثل القمح والأرز، فيكون خاضعاً للشروط السياسية للغرب تحت التهديد بالتجويع.
بالتدريج يتحول اقتصاد البلد المنكوب إلى مجرد مصدر للمواد الخام من المناجم وأبار النفط والغاز والمنتجات الزراعية،إضافة إلى أهم سلعة زراعية على وجه الأرض وهى الأفيون ” في حالة أفغانستان” الذى جاءت أمريكا لزراعته واحتكاره ضمن خطتها للسيطرة على سوق المخدرات الدولية التى تدر ما يقارب من ألفي مليار دولار سنوياً.
أهم ما تطالب به أمريكا من دول الربيع هو هذا الشروط تحديداً، أى التحول إلى اقتصاد السوق والحفاظ عليه وتمكين أمريكا وشركائها من سرقة الخامات الطبيعية في مقبل رشاوى مناسبة تدفع لرأس النظام الحاكم وكبار معاونيه. حتى أن فتح الأسواق وتحويلها إلى اقتصاد السوق المفتوح كان سبباً جوهرياً وراء عمليات الغزو الأمريكية والأوروبية في المنطقة العربية خاصة ضد العراق ثم ليبيا وسوريا، تلك البلدان حيث كان للدولة فيها سيطرة قوية على الاقتصاد. والغريب أن أحزاب الإسلام السياسى قبلت بتلك الصفقة الاقتصادية وعملت فيها وكيلاً وسمساراً / وأحيانا مقاتلا بالسلاح/ في خدمة الشركات الكبرى متعددة الجنسيات وشركات الطاقة والبنوك الدولية.
# اقتصاد السوق هو الأساس الاقتصادي لمهزلة الديمقراطية، ولا يمكن لأحدهما القيام بدون الآخر.
صحيح أن الأنظمة الطاغوتية المستبدة تبنت اقتصاد السوق، فكان الظلم الاجتماعي المرافق له، مضافاً إليه القمع الوحشي الذي قامت به أجهزة الأمن في حق المظلومين، أهم المحفزات للثورة. ولكن “اللعبة الديمقراطية” بمشاركة الإسلام السياسي تتيح مناخاً أفضل لاستقرار نظام السوق الذي يفاقم أوضاع الفقراء، وهم معظم أفراد الشعب، لصالح أقلية من السماسرة والمرتشين المتعاملين مع الطغيان الأمريكى وشركاته متعددة الجنسيات والبنوك الربوية الدولية. ويزيد من صبر الناس على الظلم أن ترفع بعض الشعارات الإسلامية لإيهام الناس أن الإسلام هو الذى يريد أو يبارك هذا الانحراف الهائل والظلم المطبق على حياتهم.
ــ الشرط الرابع والذى يشترط على الولايات المتحدة أن تضطلع بدعم جهود أفغانستان في إدارة ثرواتها الطبيعية، فإن ذلك يعنى في الحقيقة السماح للولايات المتحدة بمصادرة تلك الثورات في مقابل رشاوى وعمولات لحكومة فاسدة وأحزاب ورقية وإعلام تافه. وهذا ما يحث حين تحط أمريكا رحالها في أى بلاد “صديقة” أو “حليفة”. ومعلوم أنه من الأسباب الأساسية للعدوان الأمريكى على أفغانستان هو أن الإمارة الإسلامية رفضت مبلغا مقطوعا “رشوة” مقدارها خمسة عشر مليون دولار مقابل تمرير خطوط النفط والغاز من تركمانستان عبر أفغانستان وصولا إلى أراضى باكستان، لتفادى مرور تلك الخطوط الإستراتيجية عبر روسيا أو إيران المنافسان أو المعاديان للنفوذ الأمريكى إقليميا وعالميا. عندما تأكد رفض الإمارة الإسلامية للمشروع صرح المفاوض الأمريكى لسفير باكستانى سابق بأن الحرب هى السبيل الوحيد لحل تلك المشكلة.
ربيع مختلف
# فإذا كانت تلك هي شروط التفاوض التي تمليها أمريكا المنهزمة عسكرياً فماذا لو أنها كانت المنتصرة؟؟.
وإذا كانت تخاطب حركة طالبان العقائدية المجاهدة والتى هزمت أعتى أحلاف الشر والطغيان في العالم بهذه الطريقة، فكيف تخاطب أمريكا الأحزاب والحركات التى أوصلتها إلى سدة الحكم وتساندها بشتى وسائل الدعم المالي والسياسي ؟؟.   
حقاً.. إن الربيع الإسلامى في أفغانستان له طعم آخر.
ذكريات اليوم الأخير: تشابه النهايات السوفيتية والأمريكية في أفغانستان
تتشابه مظاهر الاحتضار التى تعيشها القوات الأمريكية في أفغانستان مع تلك التى عاشها السوفييت في شهورهم الأخيرة في ذلك البلد. فقد رضخ السوفييت لضغوط الميدان وضغوط الوضع الدولى كى يعجلوا بالانسحاب خلال سته أشهر فقط. بدأ الانسحاب بطريقة (الدفع الأمامي) حسب الاصطلاح الأمريكي، أى سحب معظم القوات في البداية وتقسيط الباقي على الأشهر المتبقية، وقد أنجز السوفييت سحب قواتهم قبل الموعد المحدد بخمسة أيام كاملة.
وفي المقابل حصل السوفييت على تعهد أمريكى بعدم التعرض لقواتهم المنسحبة على الطرق البرية في أفغانستان، واستطاعت أمريكا ضمان التعهد بواسطة باكستان التى تسمك مخابراتها بعنق الأحزاب الجهادية في بيشاور، وذات النفوذ المباشر على الكثير من القادة الميدانيين الذين زودتهم بالسلاح والذخائر خلال مدة الحرب الطويلة. مثل هذا التعهد هو ما يهفوا إليه الأمريكيون الآن حتى تضمن لهم حركة طالبان انسحابا أمنا لقوتهم المجبرة على استخدام الطرق البرية الخطرة، لسحب المعدات الثقيلة التى تعتبر صيداً سهلا لكمائن المجاهدين.
فلابد لتلك القوافل الثقيلة أن تصل إلى موانئ البحر في باكستان. ومشاهد القوافل المحترقة والشاحنات المشتعلة ستكون مناظر مأساويةً على شاشات الفضائيات، ولذلك تأثير مدمر على السمعة الأمريكية عسكريا وسياسياً، وعلى نفسيات شعوب الولايات المتحدة. تعترف الولايات المتحدة أن عملية الانسحاب من أفغانستان تمثل تحديا لوجستيا كما أنها عالية التكاليف ماليا وسوف تكلفهم ما بين خمسة إلى ستة مليارات دولار. أما خسائرهم من القتلى والجرحى إضافة إلى تكلفة المعدات التى سيدمرها المجاهدون فليست داخلة في تلك التقديرات.
أن موافقة طالبان أمر ضرورى لعبور أمريكا من ذلك المأزق الخطير، لذلك كتب الأمريكيون في أحد شروطهم المضحكة للتفاوض نصف بند فقط يحمل ذلك التعهد الخطير، حين ذكروا في ذلك البند (تلتزم أفغانستان – والمقصود هنا حركة طالبان تحديداً – منح تسهيلات للقوات الأمريكية طول عام 2014 وما بعده. والمقصود أساساً هو عام الانسحاب الكبير 2014 رغم أنه من المشكوك كثيراً أن يتمكن الأمريكيون البقاء حتى ذلك الوقت المتأخر لأن ذلك فوق طاقتهم على التحمل، فقد وصلت قواتهم هناك إلى الحضيض من حيث الإرهاق و والتوتر العصبى الشديد، وذلك واضح تماماً في تصرفات تلك القوات على الأرض. ويكفي أن تلك الحرب هى الأطول في تاريخ الولايات المتحدة الزاخر بالحروب العدوانية على امتداد رقعة الكرة الأرضية. ومن المؤكد أنها الحرب الأخيرة في تاريخ الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة أو وحيدة.
ذكريات اليوم الأخير
تتشابه كثيراً إجراءات النهاية التى اتخذها السوفييت مع تلك التى يتخذها الأمريكيون حالياً، كما أن هناك بعض نقاط الاختلاف.
= قبل موعد انسحابهم الرسمي، انسحب السوفييت من بعض المواقع الهامة، حتى أنهم تركوا بعض المدن وعواصم المحافظات التى لم تكن لها أهمية إستراتيجية كبيرة، ومع ذلك فقد غطوا الانسحاب بهجمات جوية ضخمة، لإيهام المجاهدين باقتراب هجوم برى رئيسى، مع أن الواقع كان أنهم ينسحبون فعلياً.
وأصبح معلوما لدى المجاهدين وقتها أن الهجمات الجوية الكبرى هى غطاء لانسحاب سوفيتى كبير، وأن القوات البرية السوفيتية فقدت قدرتها المعنوية والنفسية، وتخلت عن طابعها الهجومى بعد إحاطات وهزائم كثيرة في شتى الجبهات.
وذلك هو ما يحدث للجيش الأمريكي الآن، وهم يتكفلون بمجهود جوى مضاعف لتغطية انسحاب حلفائهم أيضاً. ويكونون مرغمين أحياناً لمساندة إلى جيش كرزاى والتدخل جويا لمنع المجاهدين من القيام بعمليات ملاحقة للمنسحبين. وخلال عمليات التغطية يستخدم الأمريكيون أحياناً القوات المحمولة جواً التى تشارك لفترة محدودة ثم تنسحب إلى قواعدها الثابتة ولم يكن الحال كذلك مع الجيش الأحمر السوفيتي، لأن حلفاء الأمريكيين أشد ضعفا وميلا إلى الفرار، كما أن إحتمال وقوعهم في الأسر يمثل أشد الكوابيس رعبا للأمريكيين وحلف الناتو.
= عند الانسحاب السوفيتي السريع ترك الجيش الأحمر مواقعه لقوات جيش كابل، ولكنه هو الآخر كان يعانى من الإرهاق وفقدان عدد كبير من الضباط القدماء ذوى الخبرة، والعقائديين من الكوادر الشيوعية، لذلك إضطر الجيش إلى الإنكفاء إلى الخلف وتقليص خطوط دفاعية.
ولم يكن الانسحاب سهلاً أو منظماً في جميع الحالات لذا تعرض الجيش المحلى لضربات مؤلمة جداً كادت تؤدى إلى فقدان مدن إستراتيجية، خاصة في خوست وجلال آباد وقندهار، ولكن تعدد المنظمات الجهادية وفقدان القيادة الميدانية الموحدة أضاع فرضاً نادرة لإحراز انتصار عسكرى مكتمل ومبكر.
= فتشرزم قوات المجاهدين في ذلك الوقت مكن السوفييت والحكومة الشيوعية من لعب دور في غاية الخطورة وهو تسليم المناطق التى ينسحبون منها لأسوأ المجموعات في تلك المناطق، التى هى غالباً مجموعات متعاونة في السر معهم. وكانوا أيضاً يتركون لها كميات كبيرة من العتاد والأسلحة لعلمهم أن ذلك سيكون وقوداً للحرب بين المجموعات المسلحة في تلك المناطق، وعرقلة سيطرة المجاهدين المخلصين على زمام الأمور.
وقد تحقق لهم جزء من ذلك الهدف، ولكن بعد وصول حكومة “الأحزاب” إلى سدة الحكم في إبريل 1992 وبداية الحرب الأهلية استخدمت تلك الذخائر والأسلحة في الحرب الداخلية أو بيعت في الأسواق القبلية في باكستان. وتلك المناورة السوفيتية غير متاحة أمام الأمريكيين، فتعدد المجموعات المسلحة المتقاتلة غير معروفة الآن، فالقيادة المركزية للجهاد موجودة ومحترمة.
= عندما شرع السوفييت في سحب جيشهم ضعفت كثيراً القابلية القتالية لدى الجيش المحلى، وكثرت حالات الفرار بين صفوفه، وكذلك قوات الميليشيات القبلية التى كانت أضخم وأقوى كثيرا من تلك أنشأها الأمريكيون. وقد إنحاز الكثير منهم إلى المجاهدين في الوقت المناسب ولم يقاتلوا بشكل قوى سوى في مناطق محدودة ومناسبات قليلة، خاصة عندما قاتلت الميليشيات في مناطق بعيدة عن مناطقها، فكانت عاجزة عن الفرار وتخشى من انتقام السكان المحليين.
وكان انضمام بعض قادة الميليشيات المحلية الكبار وبعض جنرالات الجيش مفتاحا لانتصارات عظيمة في نهاية الحكم الشيوعى بعد انسحاب الجيش الأحمر السوفيتي. والآن تفيد بيانات الإمارة الإسلامية عن استسلام الميليشيات في بعض المناطق وبكامل أسلحتهم للمجاهدين في أعقاب انسحاب القوات الأمريكية من مناطقهم، وذلك يعيد ذكرى الساعات الأخيرة للسوفييت في أفغانستان. تلك الانسحابات التى يعقبها إستسلام الميليشيات سوف تؤدى إلى توسع سريع في سلطات المجاهدين والإمارة الإسلامية على التجمعات السكانية الكبيرة في المناطق الزراعية، وفي ذلك تعزيز لسلطاتها المدنية ودعم لقواتها الجهادية المسلحة، فتكون أقدر على خوض مجابهات أوسع مع العدو المتقهقر والقيام بعمليات مطاردة وتدمير لقواته، أو مهاجمة قواته الراكدة في معتقلاتها الصحراوية في إنتظار متحرق ليوم الفرار.
شراء الوقت بسلاح الجو
من العلامات الهامة للمرحلة النهائية الأخيرة من الحرب الجهادية هى فقدان الجيش النظامى لروحه الهجومية وانكماشه غالبا في وضع الدفاع الثابت، وتراجع سيطرته إلى أن تنحصر في المدن الكبرى والمواقع الإستراتيجية الأهم، تاركا المناطق الجبلية والأرياف للمجاهدين الذين يكتسبون المزيد من القوة والنفوذ والروح الهجومية. ومع اندحار الروح الهجومية لمشاة العدو تزداد الأعباء على سلاح الجو الذى يحمل معظم أعباء تلك المرحلة لتغطية فشل قواته على الأرض ولتغطية انسحابها المتواصل، ولعرقلة اندفاعات المجاهدين حتى يتوفر لعملية الفرار أكبر قدر من السلامة. وكما كانت تكتيكات المجاهدين في المرحلة الأولى للحرب تهدف إلى التملص من المعارك الحاسمة من أجل شراء الوقت لتكوين قواتهم واكتساب الخبرة، تنعكس الآية في المرحلة الأخيرة للحرب ويصبح العدو هو الذى يتملص من المواجهات الكبيرة ويعتمد على سلاح الجو من أجل شراء الوقت لحين إتمام الانسحاب ولحين الوصول إلى أفضل تسوية سياسة مع المجاهدين. ونظرا لارتفاع معنوياتهم يأمل العدو في أن يكون سلاح الجو كفيلا بكبح جماح روحهم الهجومية وإصرارهم السياسى على أن يكون الوضع القادم في البلاد تحت سيطرتهم الكاملة. يتجه العدو إلى القوى الصديقة للحركة الجهادية كى تضغط على المجاهدين بقطع الإمدادات عنهم، وربما باغتيال أو أسر بعض قادتهم، من أجل الوصول إلى حل مناسب للمعتدين على قدر ما هو ممكن. فإذا كان المجاهدون في أعلى قدر من الاستقلالية كما هى حالة حركة طالبان التى خاضت الجهاد بالاعتماد على الله وحده، ثم إمكانات الشعب الأفغانى وحماسه الدينى وشجاعته النادرة وحبه لوطنه وتقديره الفائق لنعمة الحرية، كل ذلك في أجواء حصار دولى وإقليمى كامل وتجاهل إسلامى تام وتواطؤ شمل الجميع بلا استثناء، فمن المؤكد فشل عمليات الضغط الخارجى على الإمارة الإسلامية، فليس لدى أحد أوراقا يمكنه بها الضغط على الإمارة ناهيك عن أنها لو كانت قابلة للضغط والابتزاز والدخول في مساومات انتهازية أو غواية مليارات المال الحرام التى تعرض عليها من هذا الطرف المخادع أو ذاك، فإنها كانت قادرة على فعل ذلك منذ البداية وعدم خوض تلك الحرب أصلا، ولقبلت بحاكمية الولايات المتحدة على قرارات الإمارة، كما قبل بذلك معظم حكام الأمة حتى أولئك المتمسحون بالإسلام أو ما يسمونه بالحركة الإسلامية”!!” وأحزابها الهزلية وعواصفها الربيعية المتربة.
:::::::::
لقد كانت غاية أمل السوفييت قبل انسحابهم هو قيام حكومة مشتركة تضم قادة جهاديين “!!” مع قادة ماركسيين، وذلك تعبير عن تقاسم السلطة بين القوتين الأعظم عبر عملائهم المحليين، على اعتبار أن الفترة الماضية كانت فترة حرب بالوكالة. وقد كان الحال كذلك بالنسبة للقيادات المزيفة في بيشاور ( الأحزاب الجهادية) وفي كابول (الأحزاب الشيوعية) ولكن آلاف المجاهدين كانوا يقاتلون بدوافع عقائدية خالصة. لهذا انفجرت في وجه حكومة المنافقين التى ترأسها مجددى ثم ربانى وكاهن سياساتهم المنحرفة سياف، حربا جهادية أخرى قادتها حركة طالبان لتصحيح الأوضاع المأساوية في كابول.
= والآن في المرحلة النهائية للحرب الدائرة يعمد الأمريكيون الى كسب الوقت لإتاحة الفرصة لإنشاء حكومة مشتركة بين المجاهدين (حركة طالبان) وبين عملاء الاستعمار الأمريكي في كابول. ولكن المحاولات الأمريكية تسير في طريق مسدود لأنه لا حرب بالوكالة في هذه الحالة، فالقيادة الجهادية ميدانية إسلامية وتمثل الشعب المجاهد جميعه ولا تمثل حزباً محلياً أو دوليا، بل شباب مسلم يدافع عن إسلامه وأرضه وثروات بلاده، وتلك هى أهداف التشريعية.
قد تضطر الولايات المتحدة إلى اعتساف حكومة مشتركة من رجالها ومن عناصر مزيفة قد تدعى تمثيل المجاهدين أو حركة طالبان أو المعتدلين فيها، وتلك حيل لا تنطلي على الشعب الأفغاني ولن تعيش طويلا لأن من يمتلك قرار الحرب والقدرة عليها فوق الأرض الأفغانية هو الطرف القادر على إفشال الحيل الأمريكية التى لا تهدف سوى لتغطية عملية فرارهم من معركة خسروها في أفغانستان، ولا يمكن أن يكسبوها بأى خدعة سياسية.
فأى مجهود يقوم به الطيران الأمريكي بأنواعه، ومدعوماً بالحيل الشيطانية للسياسة الأمريكية وأعوانها في كل مكان ومجال، لن تجدى لأن كيد الشيطان أضعف في مواجهة المجاهدين بإيمانهم وإتحاد كلمتهم.