فقه الجهاد الحلقة (16): أصناف من يُقاتلون وأحكام قتالهم

B4xF3uNCcAAGzSF 599x330

متى يجوز قتل من لا يجوز قتله أصلاً من الكفار:

قد تبين مما سبق أن الأصل في المدنيين- الحربيين- أنه لا يجوز قتلهم نظراً لكونهم ليسوا من أهل الممانعة والمقاتلة، لكن هنا حالات خارجة -استثناها الفقهاء- عن أصل الحكم يجوز فيها قتل المدنيين الحربيين، ومن تلك الحالات ما يلي:

الحالة الأولى: الحضور والمشاركة في القتال بصوره المباشرة وغير المباشرة:إذا شارك المدنيون الحربيون في القتال فلا خلاف بين أهل العلم في جواز قتلهم، ومن صور المشاركة في القتال ما يلي:

1 – مباشرة القتال فعلاً: ومن أدلة جواز قتلهم في هذه الصورة ما يلي:

– قوله تعالى: {وقاتلوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190). وجه الاستدلال: أن الآية أمرت بقتال من يقاتل المسلمين من الكفار، فإذا وجد من هؤلاء المعنى المبيح للقتل حقيقة وهو القتال جاز قتلهم. (ينظر: المبسوط 10/137).

– مفهوم قوله -صلى الله عليه وسلم- : “ما كانت هذه لتقاتل” في الحديث المتقدم. وجه الاستدلال: الحديث يدل على أنه إنما نهى عن قتل المرأة لأنها لا تقاتل، ومفهومه أنها لو قاتلت جاز قتلها. وفي معنى المرأة ما ذكر من أصناف الكفار، لأنهم إنما حَرُم قتلهم لأنهم في العادة لا يقاتلون، فإذا قاتلوا جاز قتلهم. (ينظر: المغني 9/249).

– ومن المعقول، وبيانه: أنه إذا كان يجوز قتل كل من له بُنيَة صالحة للمحاربة إذا تأتّى القتال منه، فلأن يباح قتل من وجد منه حقيقة القتال من باب أولى، لأنه باشر السبب الذي به وجب قتاله. (ينظر: شرح السير الكبير 4/1415-1416)، ومما يستأنس به في هذا المقام في قتل المدنيين إذا اشتركوا في الحرب ما أورده أهل السير في قصة استشهاد خلاد بن سويد -رضي الله عنه- يوم قريظة. فقد ذكر الواقدي أن خلاد بن سويد بن ثعلبة الخزرجي دلّت عليه امرأة من بني قريظة رحىً فشدخت رأسه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :”له أجر شهيدين”، وقتلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- به. (كذا في السنن الكبرى للبيهقي).


2 – أن يكون له رأي أو مشورة في الحرب:
ومن أدلة جواز قتل المدنيين الحربيين في هذه الصورة ما يلي:

– عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: “لما فرغ النبي – صلى الله عليه وسلم – من حنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دُرَيد بن الصمة فقتل دريد وهزم الله أصحابه. .. الحديث (رواه البخاري). وجه الاستدلال: أنه -صلى الله عليه وسلم- أقر قتل دريد بن الصمة مع أنه قد شاخ، لأنه كان ذا رأي في الحرب. وفي هذا يقول الشافعي: “قَتَل أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين دريد بن الصمة وهو في شِجار (مركب أَصغر من الهودج مكشوف الرأس) مطروح لا يستطيع أن يثبت جالساً، وكان قد بلغ نحواً من خمسين ومائة سنة، فلم يعب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتله”. (ينظر: الأم 2/254).

وقال السرخسي: “وأما إذا كان يقاتل برأيه ففي قتله كسر شوكتهم فلا بأس بذلك، فإن دريد بن الصمة قُتِل يوم حنين، وكان ابن مائة وستين سنة وقد عمي، وكان ذا رأي في الحرب”. (ينظر: المبسوط 10/137). وقال ابن قدامة: “وكانوا خرجوا به [أي دريد] معهم، يتيمّنون به، ويستعينون برأيه، فلم ينكر النبي – صلى الله عليه وسلم – قتله”. (ينظر: المغني 9/249).

– ومن المعقول، وبيانه: أن الرأي من أعظم المعونة في الحرب، وقد جاء عن معاوية أنه قال لمروان والأسود: أمددتما علياً بقيس بن سعد، وبرأيه ومكايدته، فوالله لو أنكما أمددتماه بثمانية آلاف مقاتل، ما كان بأغيظ لي من ذلك. (ينظر: المغني 9/249، وشرح معاني الآثار 3/225).


3 – تولي الملك أو الأمر:
وهذا مما نص عليه الأحناف، فقد جاء في العناية: أن المرأة تقتل إذا كانت ملكة، وعللوه بأن المرأة متى ما كانت ملكة فإن ضررها يتعدى إلى العباد. وذكر ابن الهمام في شرحه فتح القدير: أن الصبي والمعتوه كذلك إذا تولوا الملك. (ينظر: العناية شرح الهداية 5/453، وفتح القدير 5/454). وغير هؤلاء من المدنيين مثلهم في الحكم. لأنه متى ما ولي أحدهم الأمر والتدبير، كان قتله من باب أولى لأنه هو الذي يقرّ الرأي ويختاره، وإن لم يكن له رأي. ثم إن في قتله كسراً لشوكة الكفار، وإضعافاً لهم.

4 – التحريض والتشجيع على القتال: قد نص الأحناف على أن من الحالات التي يجوز فيها قتل المدنيين: صياحهم عند التقاء الصفين، وتحريضهم المقاتلين على الحرب. (ينظر :المصدر السابق 5/453). وقال ابن العربي: “وللمرأة آثار عظيمة في القتال، منها الإمداد بالأموال، ومنها التحريض على القتال، فقد كن يخرجن ناشراتٍ شعورهن، نادباتٍ، مثيراتٍ للثأر، معيراتٍ بالفرار وذلك يبيح قتلهن”.

هذا، وفي حكم الصياح وتشجيع العدو، ما يقابله من تخذيل وإضعاف نفوس المسلمين كسبّهم وشتمهم، أو تكشف المرأة لهم، ونحو ذلك. جاء في أسنى المطالب: “وفي معنى القتال سب المرأة والخنثى للمسلمين”. (ينظر : أحكام القرآن لابن العربي 1/148،و أسنى المطالب 4/190).

وقال ابن قدامة: “ولو وقفت امرأة في صف الكفار أو على حصنهم، فشتمت المسلمين، أو تكشفت لهم، جاز رميها قصداً. وكذلك يجوز رميها إذا كانت تلتقط لهم السهام، أو تسقيهم، أو تحرضهم على القتال; لأنها في حكم المقاتل. وهكذا الحكم في الصبي والشيخ وسائر من منع من قتله منهم”. (ينظر :المغني 9/231).
ومما يدخل في التحريض على القتال نظم الشعر أو التغني به في الأسواق تشجيعاً للجند. ومن المعلوم ما للشعر والبيان من أثر على الحالة النفسية للمقاتلين، بل قد يكون أشد وقعاً من الأسلحة المادية.

وعن أنس – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول:

خلُّوا بني الكفار عن سبيله

اليومَ نضربْكم على تنزيله

ضرباً يُزيل الهام عن مقيله

ويُذْهِل الخليل عن خليله

فقال له عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفي حرم الله تقول الشعر؟ فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم- : خل عنه يا عمر، فلهي أسرع فيهم من نضح النبل”. (رواه الترمذي، والنسائي).

الحالة الثانية : إذا سب الله أو رسوله – صلى الله عليه وسلم – أو الإسلام:ومن سب الله تعالى أو رسوله – صلى الله عليه وسلم – أو الإسلام فقد حلّ دمه وجاز قتله، بعد أن كان محقون الدم من المحاربين. ومن الأدلة على ذلك ما يلي:

– قوله تعالى: { وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أئمّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ} (التوبة:12). وجه الاستدلال: في قوله تعالى: (وطعنوا في دينكم) دلالة على أن أهل العهد متى ما طعنوا في ديننا فقد نقضوا العهد ووجب قتلهم. (ينظر: أحكام القرآن للجصاص 3/126)، وإذا كان هذا في أهل العهد فإن المحاربين يجوز قتلهم من باب أولى متى ما صدر منهم هذا الفعل. ويناقش الاستدلال بالآية بأنها إنما أوجبت قتل الكفار إذا وجد منهم أمران: أحدهما نكث اليمين، والآخر الطعن في الدين، بخلاف ما إذا وجد أحد الأمرين. ويجاب عنه بأن الطعن في الدين مستلزم لنكث اليمين، وعلى هذا يصح الاستدلال بالآية على وجوب قتالهم متى ما طعنوا في الدين.

– عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: “لما كان يوم فتح مكة أمَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة…الحديث”. (رواه أبو داود، والنسائي). وجه الاستدلال: أنه – صلى الله عليه وسلم – أهدر دم المرأتين مع أنهما في الأصل ممن لا يجوز قصده بالقتل. وقد ذكر ابن حجر في الفتح، أن ممن أهدر النبي – صلى الله عليه وسلم – دمه يوم الفتح قينتي ابن خَطَل (القَيْنة: الأَمَة المغنية [لسان العرب] )، وأن سبب إهدار دمهما أنهما كانتا تغنيان بهجاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما ذكر ذلك أهل السير. (ينظر: فتح الباري 4/61، والسيرة النبوية لابن هشام 4/52، السنن الكبرى للبيهقي 9/120).

– ما روى أبو داود عن علي – رضي الله عنه – : “أن يهودية كانت تشتم النبي – صلى الله عليه وسلم – وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت فأبطل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – دمها”. (رواه أبو داود).
وجه الاستدلال: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أهدر دم هذه المرأة التي قامت بسبه مع أنها كانت موادعة مهادنة – لأنه – صلى الله عليه وسلم – لما قدم المدينة وادع جميع اليهود الذين كانوا بها موادعة مطلقة – فإذا كان هذا في أهل العهد فمن لم يكن له عهد من المحاربين أولى بالقتل. (ينظر: أحكام أهل الذمة 3/1404).

– عن ابن عباس رضي الله عنهما: “أن أعمى كانت له أم ولد -غير مسلمة- تشتم النبي – صلى الله عليه وسلم – وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر، قال: فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي – صلى الله عليه وسلم – وتشتمه فأخذ المِغْوَل (شبه سيف قصير يشتمل به الرجل تحت ثيابه، وقيل: هو حديدة دقيقة لها حد. [لسان العرب] ) فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها فوقع بين رجليها طفل فلَطَّخَت ما هناك بالدم (لوّثت ما هناك من الفراش)، فلما أصبح ذُكِر ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجمع الناس فقال: أَنْشُد الله رجلاً فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام. فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المغول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – : ألا اشهدوا أن دمها هدر”. (رواه أبو داود، وينظر :عون المعبود 12/14). وجه الاستدلال: في إقراره – صلى الله عليه وسلم – الرجل على فعله وإهداره دم المرأة دليل على أن الذمية إذا لم تكف لسانها عن الله ورسوله فلا ذمة لها، ويجوز قتلها. (ينظر: عون المعبود 12/11)، وإذا كان هذا في المرأة من أهل الذمة، فالمرأة من أهل الحرب من باب أولى.

(وينظر للتوسع: المنتقى شرح الموطأ 7/210، روض الطالب مع شرحه أسنى المطالب 4/225-226، المغني 9/231، أحكام أهل الذمة 3/1398، المحلى 12/431).

الحالة الثالثة: في الإغارة على العدو إذا لم يمكن التمييز بين من يجوز قتله ومن لا يجوز قتله:كما في التبييت، وشن الغارات ليلاً ونهاراً، والرمي بالأسلحة التي تقتل الجماعات كالمنجنيق، والصواريخ، والقنابل، وغيرها من الأسلحة الحديثة. وللعلماء في جواز قتل المدنيين الحربيين في هذه الحالة، قولان:

القول الأول: الجواز. وهو قول عامة أهل العلم، ومنهم الأحناف والمالكية -وهو الصحيح من مذهبهم على تفصيل عندهم- والشافعية والحنابلة. ومن أدلة القول الأول ما يلي:

– قوله تعالى: { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) } [التوبة:5]. وجه الاستدلال: في قوله تعالى: (واحصروهم) دليل على جواز حصر الكفار في حصونهم ومدنهم وإن كان فيهم من لا يجوز قتله من النساء والصبيان. (ينظر: أحكام القرآن للجصاص 3/121).

– روى البخاري ومسلم عن الصَّعْب بن جَثّامة- رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يُسأل عن الديار من ديار المشركين فقال: “هم منهم”. هذا لفظ البخاري، وعند مسلم:”هم من آبائهم”. (رواه البخاري، ومسلم).

قال ابن حجر: “ومعنى البيات المراد في الحديث أن يغار على الكفار بالليل بحيث لا يميز بين أفرادهم”. وجه الاستدلال: أنه – صلى الله عليه وسلم – لما لم ينه عن الغارة التي يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم القصد إلى قتلهم، دل ذلك على أن ما أباحه في هذه الحالة إنما هو لمعنى غير المعنى الذي من أجله منع قتل النساء والصبيان في الأحاديث الأخرى، فالذي منعه في تلك الأحاديث هو القصد إلى قتل النساء والولدان، والذي أباحه هنا هو القصد إلى المشركين، وإن كان في ذلك تلف غيرهم ممن لا يحل القصد إلى تلفه، وبهذا تجتمع الأدلة. (ينظر: فتح الباري 6/147، وينظر : شرح معاني الآثار 3/223).

– عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان عهد إليه فقال: “أغِرْ على أُبْنَى (موضع بالشام) صباحاً وحرِّق”. ( رواه ابن ماجه، وابن أبي شيبة في المصنف، وأحمد، وأبو داود). وجه الاستدلال: إن أمره – صلى الله عليه وسلم – بالإغارة والتحريق يدل على أن مثل هذا الفعل مباح مطلوب أو مأمور به وإن ترتب عليه هلاك بعض من لا يجوز قتله لعدم الاستطاعة على الامتناع عنه. وما لا يستطاع الامتناع عنه فهو عفو لا يلزم به تبعة في الدنيا ولا في الآخرة. (ينظر: شرح السير الكبير 4/1467-1468).
– المعقول، وبيانه: أنه لا يمكن التوصل إلى قتل العدو المحارب في هذه الحالة إلا بقتل مدنييه. ومن المقرر أن من كان له أخذ شيء، وفي أخذه تلفٌ لغيره، يجوز له القصد إلى أخذ ما له أخذه. قال الطحاوي: “وقد روي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، في الذي عض ذراعه رجل، فانتزع ذراعه فسقطت ثنيتا العاض، أنه أبطل ذلك وتواترت عنه الآثار في ذلك. فلما كان المعضوض نزع يده، وإن كان في ذلك تلف ثنايا غيره، وكان حراما عليه القصد إلى نزع ثنايا غيره بغير إخراج يده من فيه، ولم يكن القصد في ذلك إلى غير التلف، كالقصد إلى التلف في الإثم، ولا في وجوب العقل، كان كذلك كل من له أخذ شيء، وفي أخذه إياه تلف غيره، مما يحرم عليه القصد إلى تلفه كان له القصد إلى أخذ ما له أخذه من ذلك وإن كان فيه تلف ما يحرم عليه القصد إلى تلفه فكذلك العدو، قد جعل لنا قتالهم، وحرم علينا قتل نسائهم وولدانهم. فحرام علينا القصد إلى ما نهينا عنه من ذلك، وحلال لنا القصد إلى ما أبيح لنا، وإن كان فيه تلف ما قد حرم علينا من غيرهم، ولا ضمان علينا في ذلك”. (ينظر: شرح معاني الآثار 3/223). (وكذا ينظر للتوسع: المبسوط 10/32، شرح معاني الآثار 3/223، حاشية الدسوقي 2/177، منح الجليل 3/149، الأم 4/252-253، مغني المحتاج 6/ 30، المغني 9/230، الإنصاف 4/126).

القول الثاني: عدم الجواز والمنع. وهو قول مرجوح عند المالكية، ذهب إليه ابن القاسم. ومن أدلة القول الثاني ما يلي:

– عموم الأحاديث الدالة على عدم جواز قتل النساء والصبيان، وقد تقدم ذكر شيء منها. ونوقش هذا الاستدلال بأن هذه الأدلة محمولة على التعمد لقتلهم. قال أحمد: أما أن يتعمد قتلهم، فلا. قال: وحديث الصعب بن جثامة بعد نهيه عن قتل النساء; لأن نهيه عن قتل النساء حين بعث إلى ابن أبي الحقيق. وعلى أن الجمع بينهما ممكن، يحمل النهي على التعمد، والإباحة على ما عداه. (ينظر: المغني 9/230).

– المعقول، وبيانه: أنه يمنع قتل النساء والصبيان مراعاة للغانمين وما لهم في الذراري والنساء من حق السبي. (ينظر: الشرح الصغير مع حاشية الصاوي 2 /277).

ويناقش هذا الاستدلال من وجهين: أولاً- أن هذا التعليل غير مسلم، إذ إن مقاصد الجهاد وهي أصل في هذا الباب لا يمكن أن تعارض بحق الغانمين في الغنائم أو السبي الذي هو حق تبعي. وعلى هذا فإنه إذا لم يتوصل إلى قتل العدو إلا بقتل هذه الفئات فلا مانع من هذا الفعل، لأنه يحقق مقصداً من مقاصد الجهاد وهو قتل العدو والتنكيل به. وثانياً- أنه على فرض التسليم بصحة هذا التعليل فإنه عليل لمعارضته الأحاديث المتقدمة وهي صريحة في الدلالة على الجواز. والله أعلم.

الترجيح:مما تقدم عرضه من الأدلة والمناقشات يظهر أن الراجح من القولين – والله أعلم – هو القول الأول القائل بجواز قتل المدنيين الحربيين في الغارات والتبييت إذا لم يمكن التمييز بين من يجوز قتله ومن لا يجوز قتله، بحيث يقصد في الرمي من يجوز قتله. وذلك لقوة أدلة هذا القول، وسلامتها من الاعتراضات القادحة، وضعف أدلة القول الثاني. (وينظر للتوسع: منح الجليل 3/149، حاشية الصاوي على الشرح الصغير 2/277).