لماذا یُلحّون علینا بالحوار؟؟؟

الحمد لله ربِّ العالمین، والصلاةُ والسلامُ علی سیّد المرسلین وآله وصحبه أجمعین.
أما بعد:
هذه الكتابة هي محاولة في تبیان الموقف الإسلامي لمفهوم «الحوار أو المحادثة» الذي كثر الكلام حوله، وتباینت المواقف تجاهه في ظل ظروفٍ أرغمت العدوّ الغاشم للاعتراف بواقع الطالبان الموجود باعتبار توافر المقومات الوجودیة، والهیمنة الجهادیة لدیهم- من أقصی الأفغانستان إلی أدناها- اعترافاً منهم بمبدئهم الجهادي لدی الطالبان بأنه «لیس القوة والانتصار للأقوی؛ بل القوة والانتصار للأكثر منهم إیذاءً».
فركنوا أخیراً عاجزین متحیّرین لما أحسوا بأس الطالبان الجهادي، وصمودهم الإیماني، وانتصارهم الرباني، وهیمنتهم الفكرية، وفتحهم قلوب الجماهیر الإسلامي، فبادروا مضطرّین متابعة سیاسة الحوار أو المحادثة للنّجاة من المأزق الغابر، و الحاضر الألیم، والمستقبل المظلم، والساعة الرهیبة التي ترقبهم.
لكن ما ینبغي بل یستلزم أن نتفقه لها في هذا المضمار ولانخطئ، ولانضل بهذا الشعار البرّاق؛ بل المزخرف، ولا نتنازل قید أنملة، ولا ننسحب طرفة عین عن موقفنا الجادّ القویم السلیم قُبالة أبناء الیهود و عملائهم المرتزقة في هذا القطر الإسلامي.
لذلك سعی كاتب هذه السطور أن یستعرض آراء المفكرین الإسلامیین في تبیان موقف الإسلامي لموقف الحوار.
الأسس والحقائق للحوار:
فالحقیقة التي یستلزم أن لانتغافل عنها، ولانتقاعس دونها مهما بلغت الظروف شدّة أو رخوة هي أنّ الجهاد في سبیل الله شعیرة محكمة، وشریعة ماضیة إلی یوم القیامة لایبطلها عدل عادل ولاجور جائر، وغایته الرشیدة النبیلة المنبثقة من القرآن والسنّة إعلاء كلمة الله علی وجه هذه المعمورة، والدفاع عن بلاد المسلمین، وصدّ العدوان، وقلعه، ونصرة المستضعفین، وحمایتهم.
قال الله تعالی:« وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً». النساء:75
بخلاف كل الحروب الأخری التي نشبت في التاریخ، وتندلع الآن، والتي مقاصدها القتل، والدمار، والتشرید، والعلوّ، والهیمنة، واغتصاب الموارد.
ثانیاً: العداوة بین الحق، والباطل قدیمة، وباقیة، قال الله تعالی:« قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ». الممتحنة:4
ثالثاً: الولاء والبراء الدیني أحد ثوابت الاعتقاد، والحب والبغض في الله أوثق عری الإیمان، قال الله تعالی: « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ». المائدة:51
وقال أیضاً: «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ». المجادلة:22
رابعاً: التدافع والتغالب، والاختلاف بین البشر سنة كونیة ربّانیة، وهو بین الحق والباطل – أي بین أصحابهما- أمرٌ لا مفرّ منه، قال الله تعالی:« فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ». البقرة:251
وقال أیضاً:« إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ » آلعمران:140
وقال أیضاً:« وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20) الفرقان
خامساً: الاعتراف بواقع التعدد، والاختلاف بین الأمم بوصفه مقتضی لإرادة الله الكونیة القدریة لا یتعارض مع وجوب السعي إلی تحقیق عالمیة الإسلام، وشمول رسالة سیدنا محمد صلی الله علیه وسلم بوصفه لمقتضی إرادة الله الدینیة الشرعیة، وذلك بالجهاد، وبأي وسیلة أخری مشروعة لتحقیق هذا الواجب الشرعي.
سادساً: ولنعترف إیماناً وقناعة بأن أفضل وسیلة لخدمة الإنسان، ونفع البشریة هي أن نتعامل بها بالإسلام، ونفعها بتبلیغ الإسلام، ففي الإسلام جاء تكریمها، قال الله تعالی: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) الإسراء
والتفاضل بالتقوی لا للجنس ولا اللون، قال الله تعالی: « يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) الحجرات
كما صرّح بذلك أحد كبار شخصیات العالم  الإسلامي المعاصر في قوله: «إن العیش للإنسانیة لا یتمّ إلا بالعیش للإسلام»، فالدین عند الله واحد غیر متعدد وهو الإسلام قال تعالی: «وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) البقرة
وهو رسالة سماویة لدیها المدد الكافي لجمیع ألوان البشر، وأطوار الزمن التي لا تقصر عن الحاجة و الألوان.
سابعاً: فلنعلم أن الأمم الغربیة یروّجون أن المسلمین یمثّلون نقائض الحرّیة، والدیموقراطیة، وحقوق الإنسان. وهي الاستبداد والظلم والقهر بوحي من الإسلام، وخطابات بوش في تسویغ حربه علی أفغانستان والعراق شاهد علی هذا التزییف.
فهل هناك جدوی من الحوار:
نقول أنّ الحوار لن یكون میسوراً مع هؤلاء القوم، وما ینبغي خاصّة في هذه المرحلة؛ لأنّ مقتضی كون المسلمین شهداء علی الناس یدفعهم إلی مكافحة الحضارة الغربیة لئلا تنفرد، وتتمكن من صیاغة العالم ثقافیاً وحضاریاً وفق أنموذجها، ولأنه لدی المسلمین من العوامل القوة الذاتیة الدینیة والدنیویة ما یدفع الغرب ویضطره إلی تغییر موقفه من المسلمین ودینهم وثقافتهم والخنوع أمامهم.
وإنّ الغرب علی أساس أنّ الإسلام هو الحضارة الوحیدة التي تقف في طرفٍ والغرب في طرفٍ آخر في میدان الصراع والصّدام، ولذا نجد في كثیر من المواقف أنّ هذه الحضارة العمیاء لا ترید بالمفهوم الإسلامي الإنساني الحوارَ وإنما بمفهوم حوار المستكبرین، فهل هناك جدوی من الحوار مع هذا القوم الذین لا یكادون یفقهون قولاً وهم في غیهم یترددون.
ودّوا لوتدهن فیدهنون:
قال مجاهد في تفسیر قول الله تعالی: « وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) القلم: {ودوا لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق}.
أجل؛ إنهم یریدون ویودّون، ویتمنون أن نتراجع عن موقفنا الحق تجاههم.
لذلك ینبغي أن لا نتراجع عن موقفنا تجاه الغرب المتغطرس المتصلّف مهما تطاول في القوة العسكریة والخیل والكراع، وهزّ قوة مادیتها المنخورة في وجوه المسلمین، وإلحاقهم الاتهامات التي یوجهونها إلی الإسلام، أو مصادره، أو آلیات فهمه، وتعلمیه.
ویجب أن لا یكون موقفنا فقط جانب المرغوب منهم كالتسامح والحب والرغبة والرحمة؛ بل وما یقابل ذلك من حقائق هذا الدین كالجهاد في سبیل الله، ومقاصده، وبواعثه، ونشمّر عن ساق الجدّ، وعزیمة الصدق في میدان الجهاد الطلب الفكري في تبیان عوار كثیر من القیم الغربیة، وآثارها، وتمییز القیم الإسلامیة علی قیم اللیبرالیة الرعناء، واللادینیة العمیاء، ونعي بعیون واعیة، وقلوب یقظة نابضة غیرة، وحماساً للإسلام أنّ الغرب لا یرید إصلاح الأحوال، وإنقاذ الشعوب، وإنما سعیه لإرساء الفوقیة، والهیمنة، والرغبة بإملاء السیاسة الغربیة، وإحلال القیم الغربیة لتسهیل مصالحه، وتنفیذ إرادته علی المسلمین والمستضعفین، ولذلك یجب علینا أن لا نمرّ بقوله تعالی صمّاً وعمیاناً؛ بل نخرّ علیها متفقهین باكین لإستنارة الدرب، وضوء الطریق الحواري، ویقول تبارك وتعالی: « وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) القلم
ویقول أیضاً: « وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) الإسراء
ویقول أیضاً: « أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) المائدة.