من أخلاق المجاهد: إفشاء السلام وأهميته في حياة الفرد والمجتمع

إن السلام من الصفات النبيلة التي تحلى به المسلمون طيلة القرون والعهود، وأشاد به الكتاب والسنة، وكفى به أهمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قرنه بدخول الجنة، فإن المسلمين إذا التزموا إفشاء السلام والتحية بينهم، دخلت المحبة في قلوبهم وتحابوا، وإذا تحابوا دخلوا الجنة.

معنى السلام:

قال ابن حجر رحمه الله: وقد اختُلِف في معنى السلام فنقل عياض: أن معناه اسم الله أي كلاءة الله عليك وحفظه، كما يُقال: الله معك ومصاحبك. وقيل معناه: أن الله مطلع عليك فيما تفعل. وقيل معناه: أن اسم الله يذكر على الأعمال توقعاً لاجتماع معاني الخيرات فيها وانتفاء عوارض الفساد عنها. وقيل معناه: السلامة، كما قال تعالى (فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)، فكأن المُسَلَّمَ أَعْلَمَ مَنْ سَلَّمَ عليه، أنه سالم منه وأن لا خوف عليه منه.

معاني السلام في القرآن الكريم:

وقد جاء لفظ السلام في القرآن على عدة معان،

أحدها: اسم من أسماء الله عز وجل ومنه قوله تعالى في سورة الحشر: (ٱلْمَلِكُ ٱلقُدُّوسُ ٱلسَّلَـٰمُ) [الحشر:23].

والثاني: التحية المعروفة، ومنه قوله تعالى: (فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ) [النور:61]

الثالث: السلامة من كل شر، ومنه قوله تعالى في سورة الواقعة: (فَسَلَـٰمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْيَمِينِ) [المعارج:91].

والرابع: الخير، ومنه قوله تعالى في سورة القدر: (سَلَـٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ) [القدر:5] أي: خير هي.

والخامس: الثناء الجميل، ومنه قوله تعالى في الصافات: (سَلَـٰمٌ عَلَىٰ إِبْرٰهِيمَ) [الصافات:109].

السادس: الجنة ومنه قوله تعالى: (لَهُمْ دَارُ ٱلسَّلَـٰمِ عِندَ رَبّهِمْ) [الأنعام:127].

فضل إلقاء السلام وأهميته وأثره:

وقد ورد فضل السلام وأهميته في القرآن والسنة المطهرة في غير موضع، نذكر هنا أهمها:

أولا: السلام من أسماء الله .

عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن السلام اسم من أسماء الله تعالى، وضعه الله في الأرض فأفشوا السلام بينكم).

ثانیا: إلقاء السلام وردّه يزيد الحسنات، ويمحو السيئات.

عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: “السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَشْرٌ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ عِشْرُونَ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ فَقَالَ ثَلاثُونَ”.

ثالثا: إلقاء السلام يجلب المغفرة والرحمات.

فعن أبي شريح هانىء بن يزيد قال قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمِلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: “إِنَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْمَغْفِرَةِ بَذْلُ السَّلامِ، وَحُسْنُ الْكَلامِ”.

رابعا: السلام سبب لدخول الجنة.

وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ”.

خامسا: السلام يورث المحبة بين الأفراد.

وفي الحديث: والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم.

سادسا: السلام یورث حب الله وحب رسوله.

قال تعالی: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

سابعا: السلام حق المسلم على أخيه المسلم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: “حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ”.

ثامنا: عدم السلام من علامات البخل.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: “أَبْخَلُ النَّاسِ، مَنْ بَخِلَ بِالسَّلام”.

تاسعا: إلقاء السلام صدقة.

فعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:..وَتَسْلِيمُكَ عَلَى النَّاسِ صَدَقَةٌ.

عاشرا: السلام سبب للسلامة من الحقد وسبب لسلامة الصدر.

فعن البراء رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفشوا السلام؛ تسلموا».

الحادي عشر: إفشاء السلام يغيظ اليهود.

فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا حَسَدَتْكُمْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلَامِ وَالتَّأْمِينِ».

الثاني عشر: السلام يرفع شأن المسلم ويعزّه.

فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفشوا السلام؛ كي تعلوا» [رواه الطبراني].

الثالث عشر: إفشاء السلام من خير الأعمال.

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنّ رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» [رواه البخاري ومسلم].

حرص الصحابة رضي الله عنهم على إفشاء السلام:

لقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحرص الناس على إفشاء السلام فيما بينهم، وقد تسابقوا في هذا الشأن، ونالوا السبق، فهذا ابن عمر لا يذهب للسوق إلا لهذه الغاية، عن الطُّفَيْلَ بْنَ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ، لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَاطٍ، وَلا صَاحِبِ بِيعَةٍ، وَلا مِسْكِينٍ، وَلا أَحَدٍ إِلا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجِئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ، وَأَنْتَ لا تَقِفُ عَلَى الْبَيِّعِ، وَلا تَسْأَلُ عَنْ السِّلَعِ، وَلا تَسُومُ بِهَا، وَلا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ؟ قَالَ: وَأَقُولُ اجْلِسْ بِنَا هَاهُنَا نَتَحَدَّثُ قَالَ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: يَا أَبَا بَطْنٍ ـ وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ ـ إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلامِ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِيَنَا.

وعن الأغر أغر مزينة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لي بجريب من تمر عند رجل من الأنصار، فمطلني به، فكلمت فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «اغد يا أبا بكر فخذ له تمره». فوعدني أبو بكر المسجد إذا صلينا الصبح، فوجدته حيث وعدني، فانطلقنا، فكلما رأى أبا بكر رجلٌ من بعيد سلم عليه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: أما ترى ما يصيب القوم عليك من الفضل؟ لا يسبقك إلى السلام أحد. فكنا إذا طلع الرجل من بعيد بادرناه بالسلام قبل أن يسلم علينا [رواه الطبراني في الكبير].

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفرق بيننا شجرة، فإذا التقينا يسلم بعضنا على بعض [رواه الطبراني].

بعض الآداب الواردة للسلام في السنة المطهرة:

وللسلام أحكام وآداب ينبغي للمسلم أن يهتم بها حتى ينال الثواب، ويترك السلام أثره في نفسيته، ومن أهم هذه الآداب:

1 – أن يكون التسليم بصوت مسموع يسمعه اليقظان ولا ينزعج منه النائم، فعند مسلم عن المقداد رضي الله عنه قال: “كنا نرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه من اللبن، فيجيء من الليل فيسلم تسليماً لا يوقظ نائماً ويسمع اليقظان”.

2 – أن يسلم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والصغير على الكبير، والقليل على الكثير؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ». وفي لفظ: «والصغير على الكبير».

3 – أن يعيد إلقاء السلام إذا فارق أخاه ولو يسيراً لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه، فإن حالت بينهما شجرة أو جدار أو حجر ثم لقيه فليسلم عليه» [أبو داود].

4 – أن يسلم على أهل بيته عند الدخول عليهم.

5 – عدم الاكتفاء بالإشارة باليد أو الرأس، فإنه مخالف للسنة، إلا إذا كان المسلَّم عليه بعيدًا فإنه يسلم بلسانه ويشير بيده ولا يكتفي بالإشارة. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وإن تسليم النصارى بالأكف» [رواه الترمذي]. وإن أشار بالسلام لبعيد أو أصم فإنه يتلفظ به مع إشارته، وإن لم يسمع قوله؛ مخالفةً لمن أمرنا بمخالفتهم.

6 – السلام في بداية المجلس وعند مفارقته لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم؛ فليست الأولى بأحق من الآخرة» [أبو داود والترمذي والنسائي].

7 – أن يسلم على الصبيان إذا لقيهم، فعند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم مر على صبيان يلعبون فسلم عليهم.

8 – البشاشة وطلاقة الوجه والمصافحة.

فعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا» [رواه أبو داود].

9 – أن يبدأ بالسلام قبل الكلام، قال صلى الله عليه وسلم «من بدأكم بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه» [الطبراني في الأوسط].

10 – إذا دخل بيتاً خالياً قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقد روى البخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا دخل البيت غير المسكون فليقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

11 – ولا يقال عند ابتداء السلام: عليك السلام، عنْ أَبِي جري الْهُجَيْمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ ؛ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَوْتَى».