(من أخلاق المجاهد) العفو من صفات المؤمنين المتقين

 

15 182215 1313802165

 

 

إن العفو والتسامح والإغضاء عن زلة الأخ المسلم من الصفات المهمة التي لا يتأهل التشبث بها إلا أولو الهمم العالية والعزائم الراسخة، ومن أوتي حظا وافرا من التقوى والتزكية التي أوجدت في وجوده التواضع وخفض الجانب ولين العريكة تجاه الإيذاء الذي يلحقه من أخيه المسلم.

لقد كان من أكبر ما جلب قلوب الأعداء إلى الإسلام في صدر الإسلام هو العفو والمسامحة للنبي صلى الله عليه وسلم تجاه ما لاقاه من الأذى من خصومه، ولا شك أن المجاهد الذي لا يبغي من جهاده إلا إعلاء كلمة الله واقتفاء المنهج النبوي في جميع خطواته؛ أحرى بأن يتسم بهذه الخصلة الحميدة والصفة النبيلة. وفي هذه العجالة نلقي ضوء خاطفا على هذه الصفة ليلتزم بها المجاهد في حياته.

 

تعريف العفو وفضله:

قال الكفوي: “العفو: كف الضرر مع القدرة عليه وكل من استحق عقوبة فتركها فهذا الترك عفو، والعفو عن الذنب يصح رجوعه إلى ترك ما يستحقه المذنب من العقوبة، وإلى محو الذنب وإلى الإعراض عن المؤاخذة كما يعرض المرء عما يسهل على النفس بذله”.

وقال الراغب: “والعفو: القصد لتناول الشيء، والعفو هو التجافي عن الذنب، وتعاطي العفو عن الناس
وقال ابن الأثير: “العفو من أسماء الله تعالى وهو فعول من العفو وهو التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه وأصله المحو والطمس، وهو من أبنية المبالغة(من أخلاق الرسول)

العفو في القرآن الكريم والسنة النبوية:

 

وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر العفو ونوّه به في مواضع مختلفة، بل وقد جعله صفة من صفات الله تعالى، فقال:

(إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا). کما وجعل العفو من عزم الأمور حیث قال (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). وقد جعل في موضع محبة الله منوطة بالعفو والصفح، فقال: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ). وأمر الله نبيه بالعفو والإعراض عن الجاهلين، فقال: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). ومدح العافين عن الناس ووصفهم بالمحسنين فقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين). وجعل أجر العفوعلى الله، فقال: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ). إلى غير ذلك من الآيات القرآنية.

 

وأما في السنة النبوية فقد وردت أحاديث كثيرة تحث على الالتزام بهذه الصفة، ونشير إلى نبذة منها:

– عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ يَدَّعُونَ لَهُ الْوَلَدَ ، ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ.رواه البخاري .

– عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله”. رواه مسلم

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه”. رواه البخاري ومسلم

– عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: “جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَمْ نَعْفُوا عَنْ الْخَادِمِ ؟، فَصَمَتَ ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ فَصَمَتَ فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ : اعْفُوا عَنْهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً”. رواه أبو داود وصححه الألباني

ـ قالت عائشة رضي الله عنها: ” ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده ولا امرأة ولاخادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله وما نيل شيء منه قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله تعالى فينتقم لله تعالى “

مظاهر العفو في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

لقد مثّل النبي صلى الله عليه وسلم أعلى نموذج في العفو والمسامحة في التاريخ البشري، وإذا أجلت كتب السيرة تجد أمثلة كثيرة لمظاهر العفو التي تجلت من نبي الرحمة والعفو، ولنشر إلى أهم هذه المواقف:

1ـ حينما ذهب صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ليدعو أهلها إلى الإسلام، ولكن أهلها رفضوا دعوته، وسلَّطوا عليه صبيانهم وعبيدهم وسفهاءهم يؤذونه صلى الله عليه وسلم هو ورفيقه زيد بن حارثة، ويقذفونهما بالحجارة حتى سال الدم من قدم النبي صلى الله عليه وسلم.فنزل جبريل -عليه السلام- ومعه ملك الجبال، واستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في هدم الجبال على هؤلاء المشركين، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنهم، وقال لملك الجبال: (لا بل أرجو أن يُخْرِجُ الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، ولا يشرك به شيئًا) [متفق عليه].

2ـ عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة منتصرًا، جلس صلى الله عليه وسلم في المسجد، والمشركون ينظرون إليه، وقلوبهم مرتجفة خشية أن ينتقم منهم، أو يأخذ بالثأر قصاصًا عما صنعوا به وبأصحابه. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر قريش، ما تظنون أني فاعل بكم؟).قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم.. قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) سيرة ابن هشام.

3- عن أنس رضي الله عنه قال : « كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء » رواه البخاري ومسلم

ـ ومن مظاهر العفو في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان نائمًا في ظل شجرة، فإذا برجل من الكفار يهجم عليه، وهو ماسك بسيفه ويوقظه، ويقول: يا محمد، من يمنعك مني. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم بكل ثبات وهدوء: (الله).فاضطرب الرجل وارتجف، وسقط السيف من يده، فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم السيف، وقال للرجل: (ومن يمنعك مني؟). فقال الرجل: كن خير آخذ. فعفا النبي صلى الله عليه وسلم عنه. [متفق عليه]

ـ وعفا صلى الله عليه وسلم عن المرأة اليهودية التي وضعت له ولأصحابه السم في شاة مشوية.

وكان الأنبياء الآخرين عليهم السلام أيضا ذروة في العفو والمسامحة، فهذا يعقوب عليه السلام يعفو عن زلاة أولاده، وهذا يوسف عليه السلام يعفو عن زلاة إخوته.

 

مظاهر العفو في الصحابة:

وكان الصحابة رضي الله عنهم مثلا أعلى للعفو والمسامحة في حروبهم ومعاملاتهم مع أعداءهم وبني جلدتهم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر رضي الله عنه والنبي صلى الله عليه وسلم جالس يتعجب ويبتسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله فغضب النبي صلى الله عليه وسلم فلحقه أبو بكر فقال: “يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت فقمت”، فقال صلى الله عليه وسلم:“كان معك ملك يرد عليه فلما رددت عليه وقع الشيطان”، ثم قال:“يا أبا بكر ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة”. رواه أحمد.

يقول عبدالله بن عباسر ضي الله عنهما:قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ حِصْنٍ ، وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابُ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ ، كُهُولا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا ، قَالَ عُيَيْنَةُ لابْنِ أَخِيهِ : هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الأَمِيرِ فَتَسْتَأْذِنَ لِي عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ ، قَالَ : هي يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ ، وَلا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ ، فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ ، قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلاهَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ“. رواه البخاري في صحيحه.

 

فوائد العفو وآثاره:

إن للعفو والصفح فوائد غزيرة على الفرد والمجتمع نجملها فيما يلي:

– العفو دليل على سعة الصدر وحسن الظن.

– سبب لمحبة الله ومحبة الناس .

ـ يؤمن من الفتن والزلل.

ـ يدل على كمال النفس وشرفها .

ـ يمهّد الطريق لدخول غير المسلمين في الإسلام.

– يدل على قوة الشخص، وعلى سلامة النفس من الغل والحقد والحسد وعلى صفاء القلب من الروح العدوانية.

ـ خلق الأنبياء والمرسلين وعظماء التاريخ.

– يورث حب الله، قال تعالى: “والعافين عن الناس والله يحب المحسنين”

– سبب لمغفرة الله تعالى: “وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم”

ـ بالعفو تسود المحبة والأمن والطمأنينة في المجتمع الإسلامي.

– ومن الناحية الصحية فإن العفو يقي الإنسان من الأمراض النفسية وانهيار الأعصاب وأمراض القلب، فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن أقل الناس إصابة بأمراض القلب هم أهل العفو.

– وقد أثبتت دراسة أمريكية حديثة أن العفو والتسامح يساعدان على تخفيف ضغط الدم والتوتر النفسي والقلق.