من أخلاق المجاهد

الصدق؛ ضرورته وأهميته   إن الصدق من الأخلاق الهامة التي يتحتم على المسلم المجاهد التحلي به، إذ هو أساس الدين وبه قوامه، فإن عدمت صفة الصدق في قوم أو فرد انعدمت الثقة به، وانحل المجتمع وساد الانحلال والانحطاط الخلقي في العالم البشري، لذلك عُرف به الأنبياء والرسل واشتهر به النبي صلى الله عليه وسلم في […]

الصدق؛ ضرورته وأهميته

 

إن الصدق من الأخلاق الهامة التي يتحتم على المسلم المجاهد التحلي به، إذ هو أساس الدين وبه قوامه، فإن عدمت صفة الصدق في قوم أو فرد انعدمت الثقة به، وانحل المجتمع وساد الانحلال والانحطاط الخلقي في العالم البشري، لذلك عُرف به الأنبياء والرسل واشتهر به النبي صلى الله عليه وسلم في المجتمع المكي الذي ساده الغش وغيره من الأخلاق الرذيلة، لذلك فإن اتصاف المجاهد بصفة الصدق من أوجب الواجبات ومن أولى الأولويات، فإن كان المجاهد متحليا بهذه الصفة النبيلة فإنه لا محالة يجعل عدوه صديقاً، ويتغلب على سلبيات المجتمع ورذائله، ويكون مثلاً أعلى في الأخلاق يشار إليه بالبنان، ويقتدى به في خطواته وأعماله، ولهذه الوجوه وغيرها من الوجوه رأينا أن نخص هذه الحلقة بصفة الصدق الذي كاد أن ينعدم في مجتمعنا.

 

تعريف الصدق وفضله:

قال بعض العلماء في تعريف الصدق: هو مطابقة القول للواقع، أي ألا يكون في كلامه نفاق ولا تلون ولا غش ولا كذب ولا كل ما يخدش بالمروءة والأخلاق.

يقول الإمام ابن القيم (رحمه الله) في مدارج السالكين في بيان حقيقة الصدق وفضله: هو منزلة القوم الأعظم، الذي فيه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي من لم يسر عليه فهو من المنقطعين الهالكين، وبه تميز أهل النفاق من أهل الايمان، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه، ولا واجه باطلاً إلا أرداه وصرعه، من صال به لم تُرد صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته، فهو روح الاعمال ومحك الاحوال والحامل على اقتحام الأهوال والباب الذي دخل منه الواصلون إلى حضرة ذي الجلال، وهو أساس بناء الدين وعمود فسطاط اليقين ودرجة تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين. (2/257، دار الكتاب العربي، بيروت).

وحسبك بالصدق فضلا وأهمية أن الله أمر أهل الإيمان أن يتحلوا بهذه الصفة المباركة، فقال عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)، بل وصف تعالى نفسه بالصدق أيضا، فقال: (ومَن أصدق من الله حديثا)، وقال: (ومن أصدق من الله قيلا).

كما ذكر الله تعالى أن أهم ما يتميز به المؤمنون هو الصدق، فقال: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ). کما أثنى على أنبيائه ووصفهم بالصدق فقال: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا).

كما جاءت تأكيدات نبوية كثيرة في فضل الصدق، فقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم منبع الهداية والفلاح الصدق، فقال: (إن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا).

وقد ورد عن السلف أقوال كثيرة في فضل الصدق، روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (ألا إن الصدق والبر في الجنة، ألا إن الكذب والفجور في النار). قال ابن عباس: (أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق، والحياء، وحسن الخلق، والشكر). وقال بشر بن الحارث: (من عامل الله بالصدق استوحش من الناس). وقال أبو سليمان: (اجعل الصدق مطيتك، والحق سيفك والله تعالى غاية طلبك). وقال رجل لحكيم: (ما رأيت صادقًا! فقال له: لو كنت صادقًا لعرفت الصادقين).

 

التزام السلف الصالح بصفة الصدق في أحلك الظروف:

كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين والأئمة ثابتين على الصدق مهما كانت الظروف والأحوال، وكان ذلك يعقب لهم النجاح والفوز في الدنيا، وقد ضرب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في الصدق مع الله والصدق مع الناس، يقل نظيره في العالم البشري، فقصة الثلاثة من الصحابة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك والتزامهم بالصدق خير شاهد على ذلك. وهذا أنس بن النضر رضي الله عنه حين قال: أما والله لئن أراني الله مشهدًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرين ما أصنع، فشهد أحدًا، فاستقبله سعد بن معاذ فقال: إلى أين؟ فقال: واهًا لريح الجنة! إني أجد ريحها دون أحد، فصدق مع الله، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ما بين رمية وضربة وطعنة، فنزل قوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) [الأحزاب:23].

 

مظاهر الصدق وأنواعه:

وبما أن الصدق له خطورته وأهميته لذا على المسلم التحلي به في جميع أحيانه، وأن يكون صادقا مع الله تعالى في العبادة وفيما عاهد عليه الله تعالى من الالتزام بأوامره ونواهيه، وأن يكون صادقا مع الناس في تجاراته ومعاملاته وسلوكه، وأن يجتنب الكذب في كل حال، وينبغي أن نشير إلى أهم مجالات الصدق:

1- صدق اللسان: وهو من أهم أنواع الصدق بأن يكون كلامه مطابقا للواقع وإلا فيدخل في حيز المنافقين الذين ذمهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان). وهذا من أشهر أنواع الصدق وأظهرها کما قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى.

2- الصدق في المعاملة والتجارة: فالمسلم الصدوق لا يغش ولا يخدع ولا يزور ولا يغرر في معاملاته وتجارته، ليكون مصداق الحديث النبوي: « التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ الْمُسْلِمُ مَعَ الشُّهَدَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ».

3- الصدق في النية والإرادة: وهو أن لا يشوب نيته شيء من مظاهر الرياء والإتكال على الغير، فإذا نوى الجهاد في سبيل الله لا ينصرف حتى يحقق ما أراد، وإذا نوى أن ينفق في سبيل الله فلا يجلس حتى يكمل ما أراده، فعندئذ حقق الصدق في أعلى معانيه.

4- الصدق في العزم: فلا يتردد ولا يتوانى في أداء الواجبات والمأمورات والمستحبات، وكل ما يفرض عليه من الجهاد والدعوة وإصلاح المجتمع وغيرها من الأعمال. وأن يترك ما يتحتم عليه تركه من المحرمات والمحظورات والمكروهات.

5- صدق الحال: بأن لا يظهر خلاف ما يبطنه، ولا يتظاهر بما ليس فيه من التقوى والإخلاص، ولا يتحلى بما لم يُعط حتى لا يدخل في زمرة الكاذبين، كما في الحديث: (المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور).

6- الصدق في جميع مقامات الدين: وهو كالصدق في الخوف والرجاء والتعظيم والزهد والرضا والتوكل والخشية والصبر والخوف وغيره من الأعمال الدينية.

 

فوائد الصدق وأثره على الفرد والمجتمع:

ولا يخفى ما يترتب على الصدق من فوائد جمة، ومن آثار إيجابية تصون المجتمع من التردي في هاوية السقوط، إذ بالصدق يسود جو من الطمأنينة والائتمان والإحسان وغيرها من الأخلاق النبيلة، ولا يخفى ما له من ثمار في الآخرة، نشير إلى بعض سمات الصدق وخصائصه وفوائده:

1- الصدق دليل على الايمان والتقوى. كما أخبر تعالى في غير موضع أن الصدق دليل التقوى، فقال: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ، وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ).

2- الصدق دليل على الخير، (فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).

3- الصدق دليل على البراءة من النفاق. قال تعالى: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ). ویقول ابن القيم: الإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخر.

من التزم بالصدق ينال مرتبة الصديقية التي تقارن النبوة، (وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا).

5- الصدق يورث الطمأنينة والراحة النفسية، کما في الحديث: (فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة).

6- الصدق يورث البركة في كل شيء، فقد روى البخاري ومسلم انه عليه الصلاة والسلام قال: (البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما).

من التزم بالصدق فيسع الله رزقه، وينال الشرف والسمعة الحسنة عند الناس، ناهيك ما ينال عند الله من الخير، فينبغي للمسلم أن يكون صادقا في معاملته مع ربه ومعاملته مع الناس، ولا يلتجئ إلى الكذب مهما كانت ظروفه وأحواله، فإن المسلم الصادق ذو رتبة عظيمة عند الله وعند الناس.