يمين الدولة السلطان محمود الغزنوي رحمه الله (4)

غزوة سومنات

 

14 – غزوة سومنات (10 شعبان 416 هـ – 10 صفر 417 هـ) :

معبد وثن على الساحل الغربي لولاية كوجرات  Gujratالهندية وبالتحديد في مدينة ويراوال Veraval منها، والمعبد قد عمر وجدد، وموجود اليوم، يعبد فيه صنم ضعيف الحواشي، وأما ذاك الصنم فقد أباده الغزنوي وما عاد.

 

سبب غزو يمين الدولة:

ابن الأثير: وكان يمين الدولة كلما فتح من الهند فتحاً، وكسر صنماً يقول الهنود: إن هذه الأصنام قد سخط عليها سومنات، ولو أنه راض عنها لأهلك من قصدها بسوء، فلما بلغ ذلك يمين الدولة عزم على غزوه وإهلاكه، ظناً منه أن الهنود إذا فقدوه، ورأوا كذب ادعائهم الباطل، دخلوا في الإسلام- فاستخار الله تعالى.

 

عدد جيش المسلمين:

ابن كثير: ثم استخار اللهَ السلطانُ محمودٌ لما بلغه خبر هذا الصنم وعباده، وكثرة الهنود في طريقه، والمفاوز المهلكة، والأرض الخطرة، في تجشم ذلك في جيشه، وأن يقطع تلك الأهوال إليه، فندب جيشه لذلك فانتدب معه ثلاثون ألفا من المقاتلة، ممن أختارهم لذلك، سوى المتطوعة، فسلمهم الله حتى انتهوا إلى بلد هذا الوثن، ونزلوا بساحة عباده، فإذا هو بمكان بقدر المدينة العظيمة، قال (محمود رحمه الله) : فما كان بأسرع من أن ملكناه وقتلنا من أهله خمسين ألفا وقلعنا هذا الوثن وأوقدنا تحته النار.

 

الطريق إلى سومنات:

ابن الأثير: سنة 416 هـ: في هذه السنة فتح يمين الدولة في بلاد الهند عدة حصون ومدن، وأخذ الصنم المعروف بسومنات.

وسار عن غزنة عاشر شعبان من هذه السنة، في ثلاثين ألف فارس من عساكره سوى المتطوعة، وسلك سبيل الملتان، فوصلها منتصف شهر رمضان.

 

انهلوارة:

وفي طريقه إلى الهند برية قفر، لا ساكن فيها، ولا ماء، ولا ميرة، فتجهز هو وعسكره على قدرها، ثم زاد بعد الحاجة عشرين ألف جمل تحمل الماء والميرة، وقصد أنهلوارة، فلما قطع المفازة رأى في طرفها حصوناً مشحونة بالرجال، وعندها آبار قد غوروها ليتعذر عليه حصرها، فيسر الله تعالى فتحها عند قربه منها بالرعب الذي قذفه في قلوبهم، وتسلمها، وقتل سكانها وأهلك أوثانها، وامتاروا منها الماء وما يحتاجون إليه.

وسار إلى أنهلوارة فوصلها مستهل ذي القعدة، فرأى صاحبها المدعو “بهيم” قد أجفل عنها وتركها وأمعن في الهرب وقصد حصناً له يحتمي به فاستولى يمين الدولة على المدينة، وسار إلى سومنات، فلقي في طريقه عدة حصون فيها كثير من الأوثان شبه الحجاب والنقباء لسومنات، على ما سول لهم الشيطان، فقاتل من بها، وفتحها وخربها، وكسر أصنامها.

 

المعركة:

وسار إلى سومنات في مفازة قفرة قليلة الماء، فلقي فيها عشرين ألف مقاتل من سكانها لم يدينوا للملك، فأرسل إليهم السرايا، فقاتلوهم، فهزموهم وغنموا مالهم، وامتاروا من عندهم، وساروا حتى بلغوا دبولوارة، وهي على مرحلتين من سومنات، وقد ثبت أهلها له ظناً منهم أن سومنات يمنعهم ويدفع عنهم، فاستولى عليها، وقتل رجالها، وغنم أموالها.

وسار عنها إلى سومنات، فوصلها يوم الخميس منتصف ذي القعدة، فرأى حصناً حصيناً مبنياً على ساحل البحر بحيث تبلغه أمواجه، وأهله على الأسوار يتفرجون على المسلمين، واثقين أن معبودهم يقطع دابرهم ويهلكهم.

فلما كان من الغد، وهو يوم الجمعة، زحف وقاتل من به، فرأى الهنود من المسلمين قتالاً لم يعهدوا مثله، ففارقوا السور، فنصب المسلمون عليه السلاليم، وصعدوا إليه، وأعلنوا بكلمة الإخلاص، وأظهروا شعار الإسلام، فحينئذ اشتد القتال، وعظم الخطب وتقدم جماعة الهنود إلى سومنات، فعفروا له خدودهم، وسألوه النصر، وأدركهم الليل فكف بعضهم عن بعض.

فلما كان الغد بكر المسلمون إليهم وقاتلوهم، فأكثروا في الهنود القتل، وأجلوهم عن المدينة إلى بيت صنمهم سومنات، فقاتلوا على بابه أشد قتال، وكان الفريق منهم بعد الفريق يدخلون إلى سومنات فيعتنقونه ويبكون، ويتضرعون إليه، ويخرجون فيقاتلون إلى أن يقتلوا، حتى كاد الفناء يستوعبهم، فبقي منهم القليل، فدخلوا البحر إلى مركبين لهم لينجو فيهما، فأدركهم المسلمون فقتلوا بعضاً وغرق بعض.

 

الغنائم والقتلى:

وأما البيت الذي فيه سومنات فهو مبني على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص.

وسومنات من حجر طوله خمسة أذرع: ثلاثة مدورة ظاهرة، وذراعان في البناء، وليس بصورة مصورة، فأخذه يمين الدولة فكسره، وأحرق بعضه، وأخذ بعضه معه إلى غزنة، فجعله عتبة الجامع.

وقيمة ما في البيوت تزيد على عشرين ألف ألف دينار، فأخذ الجميع. وكانت عدة القتلى تزيد على خمسين ألف قتيل.

 

نحن كاسروا الأصنام لا بائعوها:

ابن كثير: وقد ذكر غير واحد أن الهنود بذلوا للسلطان محمود أموالا جزيلة ليترك لهم هذا الصنم الأعظم.

فأشار من أشار من الأمراء على السلطان محمود بأخذ الأموال وإبقاء هذا الصنم لهم.

فقال: حتى أستخير الله عزوجل.

فلما أصبح قال: إني فكرت في الأمر الذي ذُكِرَ: “فرأيتُ أنه إذا نُودِيْتُ يومَ القيامة: أينَ محمود الذي كسر الصنم ؟ – أحب إلي من أن يقال: الذي ترك الصنم لأجل ما يناله من الدنيا “. ثم عزم فكسره رحمه الله.

فوجد عليه وفيه من الجواهر واللآلئ والذهب والجواهر النفيسة ما ينيف على ما بذلوه له بأضعاف مضاعفة.

ونرجو من الله له في الآخرة الثواب الجزيل الذي مثقال دانق منه خير من الدنيا وما فيها. مع ما حصل له من الثناء الجميل الدنيوي. فرحمه الله وأكرم مثواه.

 

قال أحد الشباب بعد أن وضع عنوان: “بين محمود الغزنوي والملا محمد عمر حفظه الله محطم الأصنام” وذكر هذه القصة، قال: لما قرأتها تذكرت ما قاله الملا عمر ليوسف القرضاوي لما جاءه مساوماً على الإبقاء على صنم بوذا وأخذ أجر على ذلك.

فقال أمير المؤمنين: لِأَنْ يُنَادَى عَلَيَّ يومَ القيامة بِكاسرِ الأصنامِ خيرٌ من أن ينادى يا بائعَ الأصنامِ!

 

صفة سومنات ومعتقد الهنود فيه:

ابن الأثير:

1- وهذا الصنم كان أعظم أصنام الهند.

2- وله من الموقوف ما يزيد على عشرة آلاف قرية.

3- وقد اجتمع في البيت الذي هو فيه من نفيس الجوهر ما لا تحصى قيمته.

4- ويكون عنده من البرهميين كل يوم ألف رجل لعبادته وتقديم الوفود إليه.

5- وثلاثمائة رجل يحلقون رؤوس زواره ولحاهم.

6- وثلاثمائة رجل وخمسمائة أمة يغنون ويرقصون على باب الصنم، ولكل واحد من هؤلاء شيء معلوم كل يوم.

7- وهم يحجون إليه كل ليلة خسوف، فيجتمع عنده ما ينيف على مائة ألف إنسان.

8- وتزعم الهنود أن الأرواح إذا فارقت الأجساد اجتمعت إليه على مذهب التناسخ، فينشئها فيمن شاء.

9- وأن المد والجزر الذي عنده إنما هو عبادة البحر على قدر استطاعته.

10- وكانوا يحملون إليه كل علق نفيس، ويعطون سدنته كل مال جزيل.

11- ولأهل الهند نهر كبير يسمى كنك يعظمونه غاية التعظيم، ويلقون فيه عظام من يموت من كبرائهم، ويعتقدون أنها تساق إلى جنة النعيم.

وبين هذا النهر وبين سومنات نحو مائتي فرسخ، وكان يحمل من مائة كل يوم إلى سومنات ما يغسل به.

 

ابن كثير: وفي سنة ثمان عشرة وأربعمائة 418 هـ ورد كتاب من محمود بن سبكتكين يذكر أنه دخل بلاد الهند أيضا، وأنه كسر الصنم الأعظم الذي لهم المسمى بسومنات.

1- وقد كانوا يفدون إليه من كل فج عميق، كما يفد الناس إلى الكعبة البيت الحرام وأعظم، وينفقون عنده النفقات والأموال الكثيرة، التي لا توصف ولا تعد.

2- وكان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية، ومدينة مشهورة، وقد امتلات خزائنه أموالا.

3- وعنده ألف رجل يخدمونه.

4- وثلثمائة رجل يحلقون رؤوس حجيجه.

5- وثلثمائة رجل يغنون ويرقصون على بابه، لما يضرب على بابه الطبول والبوقات.

6- وكان عنده من المجاورين ألوف يأكلون من أوقافه.

7- وقد كان البعيد من الهنود يتمنى لو بلغ هذا الصنم، وكان يعوقه طول المفاوز وكثرة الموانع والآفات.

 

بيت سومنات:

ابن الأثير: وأما البيت الذي فيه سومنات فهو مبني على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص. وسومنات من حجر طوله خمسة أذرع: ثلاثة مدورة ظاهرة، وذراعان في البناء، وليس بصورة مصورة. فأخذه يمين الدولة فكسره، وأحرق بعضه، وأخذ بعضه معه إلى غزنة، فجعله عتبة الجامع. وكان بيت الصنم مظلماً، وإنما الضوء الذي عنده من قناديل الجوهر الفائق.

وكان عنده سلسلة ذهب فيها جرس، وزنها مائتا من، كلما مضى طائفة معلومة من الليل حركت السلسلة فيصوت الجرس فيقوم طائفة من البرهميين إلى عبادتهم.

 

خزانة سومنات:

ابن الأثير: وعنده خزانة فيها عدة من الأصنام الذهبية والفضية، وعليها الستور المعلقة المرصعة بالجوهر، كل واحد منها منسوب إلى عظيم من عظمائهم.

ابن كثير: وكان عليه من الأوقاف عشرة آلاف قرية، ومدينة مشهورة، وقد امتلات خزائنه أموالا.

 

بعد سومنات:

ابن الأثير: ثم إن يمين الدولة ورد عليه الخبر أن بهيم صاحب أنهلوارة ( نهر واله ) قد قصد قلعة تسمى كندهة في البحر، بينها وبين البر من جهة سومنات أربعون فرسخاً، فسار إليها يمين الدولة من سومنات، فلما حاذى القلعة رأى رجلين من الصيادين، فسألهما عن خوض البحر هناك، فعرفاه أنه يمكن خوضه لكن إن تحرك الهواء يسيراً غرق من فيه.

فاستخار الله تعالى، وخاضه هو ومن معه، فخرجوا سالمين، فرأوا بهيم وقد فارق قلعته وأخلاها فعاد عنها، وقصد المنصورة، وكان صاحبها قد ارتد عن الإسلام، فلما بلغه خبر مجيء يمين الدولة فارقها واحتمى بغياض أشبة، فقصده يمين الدولة من موضعين، فأحاط به وبمن معه، فقتل أكثرهم، وغرق منهم كثير، ولم ينج منهم إلا القليل. ثم سار إلى بهاطية، فأطاعه أهلها، ودانوا له.

 

الوصول إلى غزنة:

 

فرحل إلى غزنة، فوصلها عاشر صفر من سنة سبع عشرة وأربعمائة. 

15- غزوة نرسى:

ابن الأثير: في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة 421 هـ غزا أحمد بن ينالتكين، النائب عن محمود بن سبكتكين ببلاد الهند، مدينة للهنود هي من أعظم مدنهم، يقال لها نرسى، ومع أحمد نحو مائة ألف فارس وراجل، وشن الغارة على البلاد، وغنِم، وسبى، وخرب الأعمال، وأثخن في القتل والأسر، فلما وصل إلى المدينة دخل من أحد جوانبها وغنم المسلمون في ذلك الجانب يوماً من بكرة إلى آخر النهار، ولم يفرغوا من اغتنام سوق العطارين والجوهريين، حسب، وباقي أهل البلد لم يعلموا بذلك، لأن طوله منزل من منازل الهنود، وعرضه مثله، فلما جاء المساء لم يجسر أحد على المبيت فيه لكثرة أهله، فخرج منه ليأمن على نفسه وعسكره.

وبلغ من كثرة ما غنم المسلمون أنهم اقتسموا الذهب والفضة كيلاً، ولم يصل إلى هذه المدينة عسكر للمسلمين قبله ولا بعده، فلما فارقه أراد العود إليه، فلم يقدر على ذلك، منعه أهله عنه.

 

ابن كثير: وفيها (أي سنة الحادية والعشرين بعد الأربعمائة) استحوذت السرية التي كان بعثها الملك محمود إلى بلاد الهند على أكثر مدائن الهنود وأكبرها مدينة، وهي المدينة المسماة نرسى، دخلوها في نحو من مائة ألف مقاتل، ما بين فارس وراجل، فغنموا سوق العطر والجوهر بها نهارا كاملا، ولم يستطيعوا أن يحولوا ما فيه من أنواع الطيب والمسك والجواهر واللآلئ واليواقيت، ومع هذا لم يدر أكثر أهل البلد بشيء من ذلك لا تساعها، وذلك أنها كانت في غاية الكبر: طولها مسيرة منزلة من منازل الهند، وعرضها كذلك، وأخذوا منها من الأموال والتحف والأثاث ما لا يحد ولا يوصف، حتى قيل إنهم اقتسموا الذهب والفضة بالكيل، ولم يصل جيش من جيوش المسلمين إلى هذه المدينة قط، لا قبل هذه السنة ولا بعدها، وهذه المدينة من أكثر بلاد الهند خيرا ومالا، بل قيل إنه لا يوجد مدينة أكثر منها مالاً ورزقاً، مع كفر أهلها وعبادتهم الأصنام، فليسلم المؤمن على الدنيا سلام. وقد كانت محل الملك، وأخذوا منها من الرقيق من الصبيان والبنات ما لا يحصى كثرة.