شهدائنا الأبطال الحلقة (69)

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً

الأحزاب 23 

البطل المقدام الشهيد عمر رحمه الله

 

البطل المقدام الشهيد عمر رحمه الله، رأیته قبل أربع سنوات في برافشة” كان يظهر في جبینه الحیاء الجمّ، ودماثة الخلق، یسعد القلب من صحبته ومعاشرته. خدوم لإخوانه وخلوق مع زملائه. 

بعد أیام من ذلك اللقاء سمعت بأنه قد ذهب الی مدیریة أخری التي فیها الصولات والجولات لدی جنود الرحمن وجنود الشیطان. ولكن ما طال المطال حتی نعینا بإستشهاده، فغبطنا من إخلاصه وصدقه مع الله حیث طلب منه الشهادة بصدق وإخلاص ویقین، فما خاب رجاءه بل كان عند ظنه به؛ فلله درّه وعلی الله أجره.

وفیما یلي نلفت عناية قرائنا الی ما قاله لنا أخوه الأكبر أبومجاهد، الذي لم یزل یمشي علی درب أخیه سائلاً المولی الصبر والثبات والإستشهاد في سبیله.

یقول أبومجاهد: إن الشهید عمر رحمه الله تعالی أبصر النور عام 1410 هـ.ق.

قد كان الشهید – كما نحسبه والله حسیبه- من الشباب الذین غیّر الجهاد مسیرة حیاتهم…

كان رحمه الله ذا سماتٍ عالیة وصفات جلیلة مرموقة.

إنّه لما كان یافعاً كان ذا خلق شدید، ولكنه مع ذلك كان مقیداً علی الشعائر الدینیة، والثأر للحق، وبارّاً بوالدیه.

ولما التحق بدارالتحفیظ وبدأ بحفظ القرآن كان حاله یتغیر شیئا فشیئاً، ویترك مالا یعنیه، كما أنه اختار الصمت الطویل. كان متنفراً من الأثریاء المتكبرین، ولایقترب منهم.

كان رحمه الله تعالی یصلي بالناس التراویح في لیال الرمضان خالصا لله، ولایقبل من الناس جزاء ولاشكوراً.

كان لایأتي الی البیت الا قلیلاً، الی أن خرج في سبیل الله ونحن لاندري، وبعد فترة علمنا بأنه لایوجد في المدرسة وغائب عنها، ونحن في ذلك العهد لم نكن علی خبر من نشاطات المجاهدین الأفغان شیئاً، فبحثنا عنه في أماكن كثیرةً نتفقده؛ إلى أن رجع بعد أربعة شهور الی البیت.

فأخبرنا بأنه قد ذهب مع أخ آخر أرشده الی الخط الأول في مدیریة “هزار جفت” بهلمند.

كنا نلمس فیه تغیراً عظیماً لم یكن خلقه كالسابق، وما كان عُمَر الماضي؛ بل وجدناه عُمَراً جدیداً، جُلّ كلامه تدور حول الجهاد ومفاخره، ولایدّخر جهداً من تحریضنا الیه.

كان یتكلم عن كرامات أرض الجهاد، وبسالة الشعب الأفغاني وحمیّتهم وغیرتهم، ويشكو من قلة مشاركة الشباب من بني قومه – في ذلك العهد – في هذا الدرب القویم المستقیم.

وكم كان رحمه الله تعالی یعاني عن الأمّیة في هذاالشعب، وعدم تعلیمات وافرة لهم، ویشكو بثّه وحزنه الی الله مواساةً للمضطهدین و المنكوبین من بني جلدته.

فلما رأى والده منه هذه الحالة أرادا منعه من المدرسة، لكنه أبی إلا أن یتابع دروسه.

وقد جاء اليّ بعد العید الأضحی عام 1428 هـ.ق وقال إني عازم الی أرض الجهاد، فوافقته علی أمره الا أنني أمرته وقلت له: لو ذهبت أخبر عائلتنا، ولاترجع قریباً؛ بل امكث هنالك مدة طویلة، ولكنه لم یذهب كی یرجع ثانیاً، وإنما ذهب كی یسلك بالسلك الذهبي.

وعندما غادر بلدتنا اتصل بأمي وأخبرها عن قصده. فهددته أمي وقالت له: لن أعفو عنك!

قال في جوابها: لو شئت غفرتِ ولو شئت كهرتِ، إنني أهدیت عمري لهذا الدین.

فدخل معسكرات “برافشة” وتدرب هنالك حتی فرغ.

یقول أحد من أصدقائه: لقد رأیته في المعسكر علی أحسن صورة، وصار جمیلاً جداً، ما عرفته بدء الأمر. قد كان تغیّر خلقه؛ كان رحیما بالجمیع ویخدمهم، وكان الجمیع یحبونه، كلما أراه أقول له: إنك ستسشهد.

إنه لما فرغ عن التدریبات العسكریة سجّل اسمه في قائمة الإستشهادیین.

یقول المولوي عمیر _ أحد زملائه _: كان من المقرر أن یذهب المجاهدون الی عملیة، فكتبوا اسمي لهذه العملیة ولم یكتبوا اسمه، ویوم الذهاب ذهبوا به من شباهة اسمائنا، وهو استشهد في نفس تلك العملیة.

فمكث الشهید المقدام أیاماً في مدیریة”خاشرود”، ثم لما رجع مع الشهید المقدام الملا تورجان رحمه الله مع بعض الإخوة الأخرین یقصدون “برافشة” فعقبهم الأعداء، فلما وصلوا وسط الطریق بین “برافشة” و”خانشین” خربت سیارتهم.

فسمعوا حینئذ أزیز الطائرات والمروحیات، فصعدوا قلل الجبال القریبة منهم، وترصدوا للأمریكان، فنادتهم الامریكان عبر مكبرات الصوت بأن سلموا أنفسكم تسلمون.

فنادی الأبطال مكبرین مهللین إننا قد كنا نغرم الشهادة من قبل فهل نفر منها وهي تقرع بابنا.. لا والله…أیها الأنذال إننا لانسلم بل نبغي إحدی الحسنیین.

فقصفتهم الطائرات، وضخت علیهم المروحیات وابلاً من النیران والقذائف، الا أنهم ما وهنوا لِما أصابهم في سبیل الله وماضعفوا وما استكانوا؛ بل صبروا وثبتوا وقاوموا ساعات طویلة، حتی سقط إخواننا واحداً تلو الآخر شهیداً في أرض المعركة.

وكان الشهید عمر رحمه الله تعالی یحمل عروس الحرب -بیكا– فأسقط به مروحیةً من الأعداء، ثم بعد قتال عنیف ضمّخ الثری بدمائه الزكیة، وذلك في ربیع الأول من عام 1429 هـ.ق بجنب أمیره القائد المیداني الملا تورجان – رحمه الله – {وسنتكلم عن أمیره ان شاء الله في الحلقات القادمة} وأسامة والمدرب الاستاذ عبدالله السرخسي (رحمهم الله تعالی).

یقول الشهید فاروق «– رحمه الله تعالی – ولما ذهبنا لنتفقد الشهداء استشممت من الشهید عمر – رحمه الله – عبیر المسك، فنقلنا أجسادهم الی مقبرة شهداء “برافشة” ودفناهم هنالك».

ولقد رأیته في المنام بعد استشهاده فسئلته كم أحسست الألم؟

أجاب: كألم القرصة.

ثم إنني بعد ذلك قرأت مصداق قوله في الحدیث، وذلك كما قال الرسول صلی الله علیه وسلم: «الشهید لایجد ألم القتل الا كمایجد أحدكم ألم القرصة».{رواه الترمذي والنسائي}.

 

الشهيد حسين البلوشي رحمه الله

نجم تلألأ في السماء ثم هوی

إن الشباب عصب الأمة وصُنّاع حضارتها وهم وقود حروبها لا سیماً في بلد كأفغانستان التي لم تملك الأسلحة الكافیة الشاملة. وشباب الیوم رأس المال لأمّتنا في بناء المجتمعات وتحقیق الطموحات، وإنشاء الحضارات.

وهم ثروة الإسلام والمسلمین في تقدیم العقیدة الصحیحة والجهاد والمنهج السلیم للعالم شرعاً وأخلاقاً؛ وإنهم نبراس الهدایة لسائرین في غیاهب التاریخ، والنّجدة للمستضعفین من الرجال والنساء و الولدان الذین یقولون ربّنا أخرجنا من هذه القریة الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولیاً واجعل لنا من لدنك نصیراً، وشباب الیوم امتزاج الروح بالدم، وغضب للحق، ونفور من الظلم، وموت في تحقیق العدل.

ومن هذا المنطلق یسرّنا أن نقدّم صورةً وصفیةً لأحد الشباب الذي ضحي بنفسه في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله الاخ الشهید بإذن الله حسین البلوشي، الشاب الذي جمع بین الجلال والجمال، والشدّة والرأفة، والعلم والعمل و…. فروسیّة النّهار ورهبانیّة اللیل، قصيرالقامة لكن كبیر القیمة، الذي قضی معظم أیام حیاته في جهاد أفغانستان، والدعوة الیه بالحكمة والموعظة الحسنة، كان طالباً في أحد المدارس الدینیة الكبیرة یدرس العلوم الشرعية وفي العطلة یغادر الأهل والوطن و الأمّ العجوز والأب الضعیف والبنت الصغیرة والإبن الرضیع، ویقدم الی أفغانستان ویدخل خضمّ المعركة.

وكان رحمه الله تعالی قد علّق علی جدار بیته شعراً ما معناه:

نحن أحیاءٌ علی أن لانستریح   نحن أمواجُ البحار سكوننا عدمنا

كان رحمه الله تعالی شاباً لقناً، ثقفاً، شهماً، عبقریاً، لایفارقه فكرالجهاد، سواء كان في البیت مع أهله أو في المدرسة مع زملائه، كان یرأس مجلة تصدر في الجامعة یدعو في هذه المجلة الی الجهاد وفضائله بقلم سیال و أدب جمّ، ویجادل عن الجهاد بالتي هي أحسن.

وكان له ذكاء باهر في الفنون الجهادیة ومعرفة أنواع الأسلحة وخبرة بتصنيع السموم، وتجربتهاعلی الأعداء.

وكان رحمه الله تعالی ذا همة عالیة تنطح الجبال، وكان لسان حاله یقول:

وفي الناس من یرضی بمیسور عیشه *** ومركوبه رجلاه والثوب جلده

ولكن قلباً بین جنبي ماله *** مدیً ینتهي بي في مراد أحدّه

تری جسمه یكسي شفوفاً تربه *** فیختار أن یكسي دروعاً تهدّه

وقد وفق رحمه الله تعالی لأمرین عظیمین في زمن دراسته:

أوّلهما: أنه كان رحمه الله تعالی یقوم بتنظیم حلقات الدروس الجهادیة، وكان یقوم في هذه الحلقات بتعلیم الإخوة المجاهدین”المتفجرات” وكیفیة ” تصنيع السموم”، وطریقة استعمالها علی أعداء الله، وكان یقوم بهذا الأمر بخبرة وإحتیاط بالغین.

ثانیهما: أنه كان یذهب بطلبة المدارس الدینیّة الی أفغانستان حیث یتلقوا الدروس الجهادیة، والتمرینات العسكرية هنالك.

وكان له القسط الأكبر في كثیر من العملیات التفجیریة خاصة علی الشوارع في منطقة زرنج مركز ولایة نیمروز.

وكان ثناءه العاطر علی لسان جمیع القواد لاسیماً المفتي نصر الله الشهید رحمه الله حیث كان یقول: « أنا أتلذذ بحضور الأخ حسین في المعارك وأغبطه علی أعماله الجهادیة».

وكان رحمه الله هو النشاط، والكفاح والجهاد، وهو التریاق الذي تتعاطی منه قلیلاً فیذهب بكل سموم الحیاة والكسل، والخمول والجبن.

وكان رحمه الله تعالی كلماته اكسیر تحل في المیّت، فیحي وفي الضعیف فیقوي فینشط ویتحرك فیستشهد، فتقف أمامه حائراً بم تعلل وكیف تشرح.

كانت همته تذلل العقبات مهما صعبت فتصل بك الی الغرض مهما لاقت.

وكان جهاده عشقاً یحوّل البرودة حرارةً، والخمول نباهةً، والرذیلة فضیلة، والأثرة ایثاراً.

وكان إخلاصه كالعصا السحریة، لاتمسّ شیئاً الا هذبته، ولاجامداً الا أذابته، ولاموتاً الا أحیته.

وكان بإیمانه القوي وعقیدته التي لاتزول كالطود الأشمّ في البحر الخضمّ، إذ رؤي ذكرالله وإذا ذكر ذكرالله.

وكان قلبه یحترق حناناً وشفقة علی المسلمین وحنیناً الی الجنة النعیم و إیثاراً علی المستضعفین، وكأني به یردد:

ولي كبد مقروحة من یبیعني *** بها كبداً لیست بذات قروح

 

وأخیراً هوی هذا النجم الطالع في إحدی المعارك الحامیة التي اندلعت في منطقة خانشین بولایة هلمند، في شعبان عام 1428 هـ ق، بعد اشتباك شدید مع القوات الأجنبیة والأمریكیة، وقد هدّم رحمه الله تعالی دبّابة العدوّ بقذیفة آربی جي، وأصیب بعد نضال طویل برصاصة العدوّ ما بین سرته.

وقد شهد كثیرون من الإخوة أنه فاحت من جثمانه الطاهر رائحة المسك والعطور البدیعة التي لم یشمّ أحد أحسن منه قطّ، وصدق النبي صلی الله علیه وسلم: « اللون لون الدم والریح ریح المسك».